عبد الكريم عمرين
كانت زهرة ترتعش وتتعرق وترتجف، والجندي يحدّق في أشيائها وعينيها ببرود. لم يبق سوى شطيرتها، طعامها على الأرض. أرادت أن تحملها بسرعة وتضعها في حقيبتها، لكن الجندي سألها بغتة ببرود وشك: “شو هاد؟” أجابت زهرة: “فطوري الصباحي، سندويشة جبنة كالعادة”. ضحك الجندي طويلاً، وبلؤم شديد سألها: “سندويشة جبنة سودا؟ فيه بالدنيا جبنة سودا؟ افتحيها”.
بدأت زهرة بفتح سندويشتها مرتعشة، صار وجهها شمعياً بارداً. فقد لاحظ الجندي أن ثمة نتوءات سوداء اخترقت خبز شطيرة زهرة، ولما توقفت زهرة عن فتح شطيرتها خوفاً ورعباً، خطف الجندي من يدها خبزتها الملفوفة بعناية وفتحها. لم يكن هناك جبنة بل بضع حبات من البامياء المجففة، ولا شيء غير ذلك. وتناثرت حبّات البامياء اليابسة. جُنّ جنون الجندي اليقظ: “وتكذبين؟! تنقلين الطعام للعصابات المسلّحة؟! تكذبين؟! كيف لمربية أطفال وأجيال أن تكذب؟!”. والمعلّمة زهرة أصابها البكم والذهول والرعب، كل ما في الأمر أنها حاولت أن تسرّب لأختها الثكلى المقيمة في حي الوعر المحاصر، طبخة بامياء، طبخة بامياء ستنقلها ضمن شطائرها لعدة أيام، وربما خلال شهر، مكتفية بالخبز الحاف لفطورها. أدركت زهرة أنها ستعتقل حتماً، سوف تغيب في سجون مظلمة وباردة، وتتعرض للإهانات والذل والتعذيب المميت، فخطيئتها لا تغتفر، وسيتهمونها باتهامات شتى، ومصيرها الموت جوعاً وتعذيباً أو الإعدام.
وجه الجندي اليقظ إلى المعلمات المطأطأة رؤوسهن كلاماً قاسياً، صار يرغي ويزبد: “كأنّكنَّ لا تفهمنَ ما نقول، وتتجاوزن بوقاحة القوانين والتعليمات والأوامر، لو كنا نتحدث إلى نساء في ماخور لفهمن ما قلناه ونفذنَ ما هو مطلوب منهن، أنتم أسوأ من ساكنات المواخير”. كانت زهرة ترتجف وتصطك أسنانها رعباً، وزميلاتها في الباص ينظرن إليها بشفقة وحزن، وبعضهن بدأن ببكاء صامت قاهر، أما السائق فأمسك بالمقود بقوة وهو يحكم قبضتيه عليه ويضغط ويضغط بكل ما أوتي من عزم، ليفرغ غضباً فائراً في صدره. ظل الجندي واقفاً وعقد يديه خلف ظهره، وبدأ يفكر ويبحث عن عقوبة تليق بهؤلاء النسوة، ثم أشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانه في الفضاء المحيط بوجهه، مسروراً بانتصاره، إنه الآن صاحب مشيئة، يستطيع أن يعتقل زهرة، وكل المعلمات، والسائق والسيارة والهواء والشجرة التي بجانبه، والرصيف وتلك الغيمة الصغيرة الباهتة في سماء الوعر، لكن حين أنهى سيجارته قرر فجأة: “اصعدن إلى الحافلة وأغلقن النوافذ والأبواب، وتسمرنّ في أماكنكن حتى تأتيكن أوامر أخرى، أي التفاتة رأس من إحداكن عقوبتها كبيرة، كبيرة جداً، عدا عن منعها من دخول الوعر نهائياً”. ورمى بعيداً بالشطيرة الخطيرة.
زهرة ومن معها من المعلمات صعدن بانكسار إلى الحافلة، جلسن في مقاعدهن بهدوء، كل المعلمات أصبحن مغروسات في المقاعد كالمسامير دون حراك، دون نأمة صوت، وحدها زهرة صارت تشكر الله في سرها، وتقدسه وتمجده وتلهج باسمه بحب جارف وشكر كالسيل، وعدا ذلك، لا شيء في الحافلة غير الصمت والنشيج والدموع. لساعتين كاملتين لم تتحرك الحافلة، ولم تجرؤ إحداهن على الالتفات أو التحدث… كانت الشمس تزداد حرارة، ودخان تبغ السائق البلدي الثقيل يزيد الهواء في الحافلة ثقلاً ولزوجة، أصبح الجو خانقاً، والجندي المتنمر يراقب الحافلة ومن فيها جالساً على كرسي واطئ، وهو يدخن تارة، أو يستمع لأغاني وضيعة من موبايله ويترنم مبتهجاً. نزل السائق أخيراً توجه إلى الجندي وصارا يتحدثان، حتى اتفقا على شيء. عاد السائق أخرج من كيس بجانبه كروز دخان فاخر كان ينوي بيعه، أعطاه للجندي ودس في يده بعض المال. وحينها أمر الجندي الوطني اليقظ أن تتحرك الحافلة.
في المدرسة كان الأطفال في صفوفهم ينتظرون معلماتهم، كانوا يرتعون ويتضاحكون، أو يتذكرون قصف ليلة أمس على بيوتهم… وعلى السبورات رسموا بنادق وأمواتاً وقبوراً وأرغفة خبز، أما زهرة فقد عانقت أختها الثكلى التي تنتظرها، تعانقتا بنحيب وغضب وحب. حين غاب النهار وهبط الليل لم يستطع الجندي الوطني اليقظ النوم في المحرس على الحاجز، كان شيئاً ممضاً يتناهب تفكيره ومخيلته ويخافه، فحبات البامياء اليابسة تشبه طلقات الرصاص. رصاص المسلحين الذي سيهزمه ذات يوم.