منصة إرادة- مادلين جليس
لم أعرف معنى أن تفتح قلبك لأخ لك، أن تتبادل وإياه الأحاديث الطويلة، ومع ذلك فإنني أسعى في كل مرة أخرج فيها من المنزل أن أضيف إلى قائمة إخوتي أخاً جديداً.
اسمي طارق سلوم، وهذه حكايتي مع الحياة التي واجهتها دون أن أضع أي أقنعة
يخبرني والداي أن معاناتي مع المرض بدأت في عمر السادسة، وأن ارتفاع حرارة شديداً غزا جسدي الغض، ولم تنجح كل الزيارات التي قاما بها لأطباء الأطفال في معرفة سبب ارتفاع الحرارة التي كانت دائماً تُخفّض بأدوية الالتهاب وخافضات الحرارة. ثم جاء الحل الأخير، وهو استئصال اللوز الذي أوقف الحرارة تماماً، وعاد جسدي إلى ما كان عليه، بحرارة طبيعية لا خوف منها. غمرت الفرحة قلب والديّ، فقد استطاعا أن يبعدا شبح المرض عن ابنهما، لكنهما لم يعلما أن تلك الحرارة اللعينة لم ترحل نهائياً وأنها تنكّرت بقناع الصحة لفترة من الوقت لتعود بعد عدة سنوات على شكل توقّف في النمو وتشوه في العمود الفقري، إضافة إلى قصر القامة والحد الحركة الشديدين.
كشف القناع
كان والديّ يلاحظان عدم نموي كغيري من الأطفال، لكن التشخيص الطبي للحالة الالتهابية النادرة التي أصابت عظامي ومفاصل جسمي أكّد أنني مصاب بمرض اضطراب نمو مشاش العظم، مما جعلهما يتيقّنا أنه لا علاج لما يعاني منه ولدهما الوحيد.
منذ عمر الثامنة عشرة وحتى اليوم خضعت لحوالي عشرين عملية جراحية، وكأنما كُتِب على جسدي أن يزوره مبضع الجراح مرة كل عام، على مبدأ أغنية “زوروني كل سنة مرة”.
في عام 1999 خضعت لعملية بهدف ترميم المفاصل مثل مفصل الركبة، لكن النجاح لم يُكتب لهذه العمليات، فالغضاريف متآكلة والتشوه والتحدد حاصل.
في عام 2009 وصل التشوه في العمود الفقري لمرحلة متقدمة وخطيرة، ما أدى للضغط على القلب، ولذلك خضعت أيضاً لعملية جنف ومحاولة تصحيح العمود الفقري، لكن مضاعفات العملية كانت كبيرة وخطيرة أيضاً، فأثناء العملية كُسرت ثلاث فقرات من عمودي الفقري، وأُصاب العصب المسؤول عن التبول برض واضح، أدى لحدوث خلل في الإحليل.
وبذلك خرجت من العملية بمضاعفات تحتاج لعمليات أخرى، تكللت آخرها بالنجاح من خلال تصنيع إحليل، الأمر الذي جعل وضعي مستقرّاً، بتحدد شديد في الحركة، إضافة لقصر قامة شديد مع التشوهات التي ثبتت عند هذا الحد.
تطور المرض وازداد الحب
طفولتي كانت في منطقة الغسولة في ريف دمشق، درست فيها المرحلة الابتدائية، في ذلك الوقت كان تطور المرض بطيئاً غير ملحوظ، وكنت حينها قادراً على الاعتماد على نفسي في المشي وغير ذلك من الحركات. لكن ذلك لم يدم طويلاً فقد بدأ تطور المرض خلال المرحلة الإعدادية، وبدأ معه تحدد الحركة إضافة إلى التشوه في العمود الفقري.
لم أكن وحدي حينها، بل كنت أشعر بمحبة زملائي في المدرسة والصف من خلال أيديهم التي امتدت لمساعدتي، كانت هذه الأيدي تسند ضعفي الذي بدأ يظهر أكثر فأكثر. واستمرت المحبة تغمر قلبي، وتعوّض جسدي عن المرض الذي بدأ يستشرس في الانتشار وإظهار الأعراض، التي لم تستطع أن تقف في وجه الدراسة والتحصيل العلمي..
٢٠٦، مئتان وست درجات، استطعت تحصيلها في الشهادة الثانوية، لكنها لم تكن طموحي، ولم تكن هدفي، فقد أردت مجموعاً أعلى الأمر الذي دفعني لإعادة التقدم لامتحانات الثانوية العامة، وهذه المرة من حمص، وحصلت على 219 درجة الأمر الذي اعتبره كثر إنجازاً كبيراً لشخص يعاني ما يعانيه من المرض وتدهور الحالة الصحية.
استطعت بمجموعي دراسة الهندسة التقنية “تقانة الأغذية” في جامعة طرطوس. ومن خلال دراستي، فتحت أولى نوافذ تحقيق الحلم، وبدأت بمشروعي الذي وجدت فيه نفسي، كياني الآخر على شكل رائحة قهوة، تنتشر في المكان وتكون كاليد التي تمسك يدي، وتعينني على المشي وعدم الاستسلام.
القهوة وشغف العمل
رحلتي مع العمل بدأت من شعوري الدائم بعدم الاستسلام لليأس، وعدم الانجرار وراء الحزن. وهذا ما دفعني لممارسة التجارة والتسويق الإلكتروني حتى خلال سنوات دراستي، واستطعت تحقيق نتائج مبهرة حتى عام 2009.
لكن الفرح لم يدم، فقد بدأت حالتي الصحية بالتراجع في ذلك العام، مما اضطرني للخضوع لعمل جراحي في العمود الفقري، فقدت بسببه القدرة على التبول. الأمر الذي اضطرني لإيقاف دراستي الجامعية والبدء برحلة طويلة من العمليات استمرت حتى الشفاء عام 2016، مع تصنيع إحليل كعملية نوعية ناجحة.
وهنا عاد حلم الدراسة والعمل يراودني، فعدت للجامعة لاستكمال الدراسة. تخرجت من الجامعة في عام 2020، كنت خلال هذه السنوات أعمل في تجارة السيارات، وبعد التخرج، بدأت العمل في مشاغل الألبان والأجبان، وغيرها من المشاغل الغذائية، لكنني شعرت أن حلم المشروع الخاص لا بد أن يتحقق. وقررت العمل في تصنيع القهوة، فقد كانت مناسبة لي من ناحية التخزين والابتعاد عن فساد المنتج خاصة مع ظروف الطاقة السيئة السائدة.
وبدل أن يدرّ المشروع أرباحه علي، بدأت ببيع الممتلكات في سبيل استمراره ونجاحه، سيارة والدي، وقطعة الأرض التي خبأها لابنه الوحيد، إضافة إلى دعم عمي أخي والدي ومشاركتي في المشروع، في محاولة جميلة منه لدعمي ودعم حلمي.
في الحقيقة، ولأكون منصفاً أكثر، فإن هذا المشروع يجعلني بغنى عن الناس فقط بالحدود الدنيا، لكني أحلم بأن يكبر ويتسع أكثر، أحلم أن أستطيع مد يد العون لجميع ذوي الإعاقة، لتشغيلهم معي، وأن أكون سبباً في عدم حاجتهم لأي أحد.
أما حلمي الأكبر، فهو إنشاء مركز ضخم يرعى ذوي الاحتياجات من أصحاب المهن والمبدعين، والراكضين خلف طموحاتهم.
وأن يستطيع ذوو الإعاقة في كل بقاع العالم أن يكونوا أشخاصاً فاعلين في مجتمعاتهم، ألا يشعروا بنقصهم عن الأفراد الطبيعيين لمجرد نقص يد أو رجل أو حتى عين أو أذن، وأن يؤمنوا أن لديهم قدرات أكبر لكن عليهم اكتشافها بأنفسهم.
هدف في مرمى الأحلام
لا أستطيع تذكر طفولتي دون أن يغصّ قلبي بدمعة طفل صغير، وجد نفسه معزولاً عن زملائه وهم يلعبون كرة القدم في باحة المدرسة. أثناء المباراة، كنت أحاول تخيّل أني معهم، عضو في الفريق كما كل واحد منهم. ألعب الكرة وأنا جالس بمكاني بعيداً عنهم. كانت عيناي تراقب الكرة، أدفعها بعيني بدل قدمي، وأركض بها أركض أسرع من الجميع، ومن ثم أسدد الهدف، وGooooooal!
لقد دخلت كرة صديقي في المرمى، وحقق هدفاً جميلاً شعرت كأنه هدفي، وكأن الكرة التي اخترقت الشبك كانت كرتي. فجأة ينتهي حلم الطفل الصغير، بيد زملائه التي تمتد لمساعدته على الرجوع للصف بعد انتهاء حصة الرياضة.
الآن بعد أن كبرت، توقف حلم كرة القدم، واستقبلت مخيلتي أحلاماً أكبر وأكثر وعياً. كأن أكون قادراً على فعل أي شيء بنفسي دون الحاجة لأحد، ألبس ثيابي، وأنحني لارتداء الجوارب، لا أعاني من جراء ذلك.
أدخل الحمام دون مساعدة أحد، أقوم بتنظيف المنزل بدلاً من أمي. أعمل كرجل قادر على إعالة عائلته وخاصة والدي الذي أنهك السرطان جسده، واستقرت جرعات الكيماوي في خلاياه. أساعد والدي مادياً، أمنحه الوقت للراحة بعد عمر طويل من التعب والعمل والسهر على راحتي، أبتسم أنني قادر على إعالة نفسي وإعالة عائلتي.
هل أحلم كثيراً؟ هل أطلب المستحيل؟ وهل كل ما تخيلته كان أحلام يقظة لا غير؟
لا أدري… كل ما أدريه أن الله قادر على كل شيء، وأنني سأحاول جاهداً لأنجح بالاختبار الإلهي الذي اختاره وقدّره لي.
التهاب العظم المشوه، المعروف أيضًا باسم مرض باجيت، هو اضطراب في العظام يؤدي إلى نمو العظام وإعادة تشكيلها بشكل غير طبيعي. قد يعاني الأشخاص المصابون بهذه الحالة من مجموعة متنوعة من الأعراض المتعلقة بعظامهم ومفاصلهم. يمكن أن تختلف هذه الأعراض في شدتها وقد تؤثر على أجزاء مختلفة من الجسم.
من الأعراض الشائعة لالتهاب العظم المشوه هو ألم العظام، والذي يمكن أن يحدث في مناطق مختلفة من الجسم تتأثر بهذه الحالة. يمكن أن يتراوح هذا الألم من خفيف إلى شديد وقد يزداد سوءًا مع النشاط البدني أو في الليل.
من أعراض مرض باجي حدوث تشوهات العظام. وقد يؤدي هذا إلى تغييرات في شكل وبنية العظام المصابة، مما يسبب مشاكل في الحركة والوظيفة. بسبب ضعف العظام وتشوهها، قد يكون الأفراد المصابون بهذه الحالة أكثر عرضة للكسور.