منصة إرادة- مادلين جليس
في وسط حي القيمرية، أحد أجمل أحياء دمشق، خلقت أنا، بشعر ضعيف وبصر ضعيف وطول ضعيف، وابتسامة أقوى من كون بأكمله. اسمي ولاء الشيخ سليمان وهذه حكايتي… السنوات التي اختبأت في وجهي الطفولي.
قيل لي أن صلة القرابة بين والداي هي السبب في كل معاناتي، وأن هناك أطفالاً كثيرين مثلي، يدفعون ثمن زواج الأقارب من عيونهم وأسماعهم وحياتهم. وعلى الرغم من كل الجمال الذي يحيط بي في الحي الذي أسكنه، إلا أنني لم أشعر به يوماً، ليس فقط لإعاقتي البصرية، ولكن أيضاً لكثرة البشاعة التي سمعتها في كلمات البعض وفي همساتهم، البشاعة التي استطاعت أن تغطي على جمال الحي وجمال دمشق وكل جمال الكون من حولي.
مشروع ناجح
بين خمسة أخوة عشت أنا، توسّطتهم وكانوا خير الأخوة، لأب وأم لا أعرف متى سيأذن الله لي لرد الجميل لهم، على كثرة ماصنعوا لأجلي.
منذ ولادتي كان بصري ضعيفاً جداً، وكان جسدي الصغير لا ينمو كما باقي الأطفال، الأمر الذي جعل والداي يزوران طبيباً واثنين وخمسة، لتكون النتيجة واحدة، زواج الأقارب هو السبب، وأن حالتي ستتراجع يوماً بعد يوم.
حاولت أمي أن تنتصر على الواقع، وأن تصنع معجزة لطفلتها التي لم تتم أعوامها الخمسة، جربت كل أنواع العلاج، استشارت كل الأطباء المختصين لكنها لم تستطع أن تدفع بيدها ما قدّره الله لطفلتها.
ومع كل ذلك كانت توليني اهتماماً خاصاً كانت تعطيني الضعف من كل حبها وحنانها، وكنت أنا مشروعها الذي لم تكل يوماً عن العمل على إنجاحه، وقد تحقق لها ذلك حين حصلتُ في الثانوية العامة الفرع الأدبي على مجموع عال ينقصه علامتان فقط عن العلامة التامة.
فرحة وغصة
فرحة كبيرة غمرت قلبي، لدرجة أنستني كل الألم الذي سكنني طوال ثمانية عشر عاماً بالتمام والكمال، لكنها زادت أوجاعي وهمومي ضعفاً بعد رفضي في كلية التربية.
“لا يمكن قبولك على هذه الإعاقة، فكيف ستعلّمين الأطفال، وكيف ستكونين قدوة لهم وأنت بنظر ضعيف وإعاقة واضحة؟”
نزلت الكلمات كالسكين على قلبي، سكين أتلفت صورة المستقبل في عيني، وأطفأت كل بارقة أمل بالعمل وتغيير القدر. هل أدفع ثمن زواج الأقارب؟ أم أدفع ثمن مجتمع ينبذ الاختلاف حتى ولو كان قسرياً؟ تساءلت في نفسي كثيراً، بكيت في غرفتي أياماً طوال، لكنني لم أستطع الوصول إلى جواب يرضي قلبي ويسكت الصوت الصارخ في روحي: “أنا مثلكم، بقلب وروح وإحساس، بيد ورجل وعينين ووجه، أنا مثلكم بكل ما وهبني الله إياه، وحرمتني منه نظراتكم وكلماتكم التي لا ترحم.”
طالبة مستمعة
بعد ذلك بقيت أربع سنوات في المنزل، لزمت غرفتي، لا أرى أحداً ولا يراني أحد سوى أهلي، كانت سنوات من العتمة الموحشة. كان النور الوحيد في هذه العتمة هو إيماني بأن لله حكمة من كل شيء، لذلك اتجهت لقراءة القرآن وقمت بحفظ أجزاء كثيرة منه، نسيتها كلها بعد دخولي للمستشفى بسبب الهبوط المفاجئ للكالسيوم ودخولي بغيبوبة طويلة لم أتوقع الخروج منها.
لكن ذلك لم يثنيني عن حلم الدراسة، ومعاندة الظروف التي لم تتوقف يوماً عن الوقوف في وجه سعادتي، فعدت إلى التقدم لامتحانات الشهادات الثانوية العامة لكن هذه المرة لم تكن كالمرة التي قبلها، فخطي الذي أصبح سيئاً بسبب نقص الكلس في يداي جعل المصححين لا يفهمون أجوبتي، فكانت نتيجتي الرسوب لسنتين متتاليتين. من بعدها، درست في مدرسية للمكفوفين، وتقدّمت للثانوية العامة من خلالها، وعبر مساعد يكتب لي في الامتحانات الأجوبة التي أقرأها وألقنها له.
أدرس الآن في المعهد التخصصي للحديث النبوي الشريف وعلومه للإناث “النورية”، لكن نظري المتراجع باستمرار، وقدرة يداي على الكتابة المتراجعة أيضاً كادا أن يقفا في وجه إكمالي الدراسة، لولا اقتراح موجهة المعهد أن أتابع التعليم كمستمعة فقط. الآن اجتزت للسنة الثانية، وبدأت بالثالثة، لكن دون أي اختبار او امتحان، ودون شهادة أيضاً، فأنا مستمعة فقط، لا تكتب ولا تقرأ ولا تتقدم لامتحانات، أسمع الدروس، أحفظها، أختبر نفسي في حفظها، وأهنئ نفسي على الاجتهاد.
أصدقاء أوفياء
قبل النوم، ألقي نظرة على أدويتي المتناثرة على الطاولة قربي، دواء للكالسيوم، وآخر لفقر الدم، وثالث فيتامينات، ورابع للغدة، هؤلاء هم أصدقائي الأوفياء، وهم درعي أمام الأمراض المتزايدة يوماً بعد يوم.
أما نزهاتي فمقتصرة على التجوّل في شارع الأمين بغية شراء بعض الحاجيات لوالدتي، كمساعدة لها، وترويحاً عن نفسي.
ولو أن شيئاً بيدي لكنت عملت على منح والدتي العناية والاهتمام الأكبر، فهي التي نذرت كل قلبها لترى البسمة في عيني، وهي التي أفنت عمرها لتراني شابة ناجحة كباقي أخوتي وزملائي، ولكنت أصبحت عنصراً فاعلاً في المجتمع، أقدم المساعدة لغيري، وأساهم في بناء الوطن، كما كل الناس.
