الإرادة

11 دقيقة بين الدبكة على الجثث، وارتداء قناع قيصر

وسيم كناكرية

لم يدر غسان مسعود عندما مثل دور البطولة بمسلسل مقابلة مع السيد آدم، أنه سيأتي اليوم الذي سيمثل فيه دور قيصر، ولو علم لما كان استخدم صورة رحاب علاوي التي استشهدت في معتقلات النظام والتي التقطها لها قيصر الحقيقي. كذلك لم يدر كثير من أولئك الناس أنه سيأتي يوم يمثلون فيه أدواراً أو حتى سيبكون على جثث رقصوا يوماُ ما على دمائها.

سرعة تغير الأقنعة، أو معضلة الشرير الملائكي، ذكرتني بيوم دعينا فيه للقيام بنشاط مسرحي ضمن الاحتفال السنوي الذي يقام بمناسبة اليوم العالمي لذوي الإعاقة، اليوم الذي يتذكر أصحاب القرار فيه بأن هناك شريحة من المجتمع مركونة في درج ما وعليهم أن ينفضوا الغبار عنها ليلتقطوا معها الصور في هذا اليوم ثم يعيدوها إلى الدرج لتنتظر يومها العالمي الجديد.

كنا مجموعة من الأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية الذين تلقفوا تلك الدعوة باهتمام وأمل كبيرين، فلم نكن سوى كأيتام تشاوتشيسكو الذين ظنوا أن لهم فرصة للتغيير ويجب أن يستغلوها بأفضل الطرق غير مدركين أن آمالهم وطموحاتهم بل وحيواتهم بلا قيمة أو وزن عند الأشخاص الذين دعوهم وسيشاهدون عرضهم المسرحي.
بدأنا بترتيب الأفكار محاولين بأفضل الطرق تسليط الضوء على القضايا التي تهمنا والمشاكل التي نواجها، قضايا هي بالنسبة لنا أحلام نتمنى أن تتحقق كأن نجد معهداً نتعلم فيه اللغة الإنكليزية المهمة جدا لكل شخص من ذوي الإعاقة البصرية دون أن يقابل بالرفض اللطيف في بعض الأحيان، واللفظ القاسي والجارح في ما تبقى منها، أو أن نجد مساحة آمنة لنمارس فيها رياضة كرة الهدف الخاصة بذوي الإعاقة البصرية، أو حلم أن يتقبلنا مجتمعنا المحيط بنا كجزء منه ومكون من مكوناته دون أن يسقط علينا ألف ألف صورة نمطية وأحكاماً مسبقة.

ومن كل تلك الأحلام نسجنا نصاً مسرحياً مدته 11 دقيقة، 11 دقيقة كاسم رواية لباولو كويلو قرأتها ويالسخرية القدر فكم شعرت حينها أن حالنا يشبه حال ماري في تلك الرواية، فكنا غرباء ولكن ببلدنا وكان يتم استغلالنا ولكن بالمجان، ونحن أيضا شبان وشابات كباقي الشباب والفتيات ولدنا أبرياء كحال باقي الأطفال قبل أن نتعرف على حقيقة أننا مختلفون وأننا نفتقد حاسة البصر ليتم تصنيفنا بتصنيف أقل من باقي المجتمع، وللأسف مازلنا ننتظر رالف الخاص بقصتنا ليتقبلنا أو لنشرح له أن إعاقتنا ليست ذنبنا أو قراراً نحن اتخذناه كما هو الأمر بحالة ماري.
عملنا جاهدين وبذلنا كامل مجهودنا من أجل تلك ال11 دقيقة على خشبة المسرح، صورنا أصحاب القرار والمجتمع بصورة شخص يطرح الحل نفسه لمشاكلنا كافة، أردنا أن ننشر رسالتنا لدى الحضور لعلنا نصنع التغيير حتى ولو بقلة من الناس.

وأخيراً حان وقت العرض، اختاروا لنا مسرح كلية الهندسة ليقام عليه الحفل، ذلك المسرح الذي لم يتيحوا لنا حتى فرصة أن نصعد عليه ونكتشف أبعاده قبل أن نباشر بال 11 دقيقة الخاصة بعرضنا، إضافة لعدم وجود ستارة مما سيزيد من حرجنا في حال تعثرنا على تلك المنصة المجهولة المعالم كليا بالنسبة لنا. 

صعدنا على المسرح ومرت اللحظة الأولى بسلام دون أي مشاكل، كان هناك عدد كبير من الحضور، كانوا يتنفسون ويتكلمون ويسعلون ويضحكون كالبشر، يتابعوننا ويسمعوننا منصتين باهتمام، مرت الدقائق العشر الأولى بسلام علت أصواتنا فيها بمكنونونات قلوبنا، وكأنا كنا نعرض عليهم أحلامنا وأمالنا وأفكارنا كطفل صغير يخرج ملابس العيد الجديدة التي فرح بها كثيراً ليريها للضيوف، وحان وقت الدقيقة الحادية عشرة التي كانت هي هدف من دعانا، فصعد المسؤولون ليلتقطوا الصور معنا مثبتين بذلك أنهم يرعون الضعاف والفئات الهشة بالمجتمع.
وكحال ماري انتهى دورنا بعد انتهاء ال 11 دقيقة وحان دور عرض آخر، عرض يندى له جبيننا وجبين ماري، عرض خلع الأقنعة، الذي كانت إشارته صرخة شاب وهو يمسك المايكرفون ويقول: يا بو شامة، ليصعد الجمهور على المسرح ويبدأ العرض الآخر، كان المغني يجود بغناء كلمات مثل: يا بشار متلك مين اقصف جوبر مع عربين، أو اسمع مني يا أوباما، ماهر بعدو بالبيجاما، وبدورهم كان الشبان والشبات يجودون بالرقص والدبك.

شعرت وقتها بأنهم يدبكون ويرقصون على جثث ودماء أهلنا الذين يبعدون عنا فقط بعض الكيلو مترات، وكل ذنبهم أنهم مختلفون معهم بالرأي، شبان وشابات كانوا متعاطفين معنا من قليل، يضحكون على مواقفنا الطريفة، يصفقون لنا ويتفاعلون معنا ويشجعونا، لم أصدق هذا التغيير الذي حصل أو لم أصدق أن هؤلاء أنفسهم هم الذين كانوا هنا من قبل، وكأن المغني أخرج مزماره ليسحرهم جميعاً، ويسيطر عليهم من ثم بدل أن يخطفهم، أصعدهم إلى المسرح كقطيع يتبع مزمار راعيه غير مدرك أن هذا المزمار قد صنع من عظم أبناء جنسهم، حاولت أن أفسر تصرفهم بهذه التفاسير ربما لأني خشيت أن أفكر بأن هؤلاء الأشخاص دمويون، ولو كنا نحن في جوبر أو عربين لكانوا الآن يرقصون على جثثنا.

كم شعرت أننا منفصلون عنهم، وكأننا من كوكب غير كوكبهم، كيف لا ونحن الأيتام الذين فرض علينا أن نعيش بأقبية، بعيداً عن الآخرين، مشغولين بقضايانا وهمومنا والتي منها أن نكسر الأغلال التي كبلونا بها، ونخرج من الأقبية والدروج التي وضعونا فيها، كم شعرت أن ألم عزلتنا ساعدنا أكثر للشعور بآلام الآخرين، وكم شعرت بالسعادة يومها لأني اكتشفت أن عزلتنا المفروضة علينا وبرغم مساوئها لها جانب إيجابي، فتلك العزلة جعلتنا مقاومين لمزمار الراعي الذي سحر كامل الحاضرين ولكن لم يستطع أن يسحرنا ويضمنا إلى القطيع.

بنهاية ذلك اليوم لممنا أحلامنا التي دهست تحت أقدامهم وتلطخت بدماء لم يراها سوى المكفوفين ولكن كنا أوفر حظاً من 11 ألف ضحية صورهم قيصر الحقيقي بكاميرته موثقاً فظائع إجرام مسوخ نظام دموي، ومئات الألاف من الضحايا الذين لم يجدو قيصرهم ليسرب صورهم، ضحايا ماتو على أيدي كائنات خارج السجن ترتدي قناعاً بشرياً وعندما تسمع مزمار الراعي تدخل السجن لترقص رقصتها الدموية، من ثم يتحول أشخاص بأسماء وأحلام وآمال من كونهم بشراً إلى مجرد أرقام وصور، صور أنكرها الرئيس الهارب، واستخدمها المنتجون كبديل سهل وأوفر عن أي بديل آخر.