الإرادة

يوميات تكتب من جديد، النجاة كفعل مستمر

مياس سلمان

أبدع يوماً ما كلٌّ من الكاتب ممدوح حمادة، والمخرج الليث حجو، وعدد من الممثلين السوريين، بإنجاز عمل كوميدي رائع وبسيط هو (ضيعة ضايعة). كانت قرية (أم الطنافس الفوقا) هي الناجي الوحيد في هذا العالم من مغريات الحضارة. 

أتت الحرب بعد ذلك على سورية فدمرت الحجر والبشر والأحلام. ليبقى السؤال: هل هناك من مكان أو بشر ناجون يشبهون أم الطنافس اليوم، هل من ناج في هذه البلاد اليوم؟ وهل فكرة النجاة واحدة عند الجميع أم تختلف من شخص لآخر؟ رادوتني هذه الأسئلة، ونحن نرى من جديد مشاهدَ اعتقدنا أنا نسيناها، أولئك الذين تقطعت بهم السبل، نازحون بلا طعام أو أسقف تأويهم، آباء يبحثون عن أطفال مفقودين، مرضى ليس لديهم أدوية، وجوه الأمهات الحزينة، وأطفال خائفون

إعراب كلمة نجاة في الزمن الحالي

بالتأكيد، كل حرب تشكل مأساة بحد ذاتها، وداخلها يوجد آلاف من قصص البقاء وسط العنف والخسارة والصدمة، لكن للأسف لا تنتهي كل قصة بالنجاة، حتى أني أكاد أجزم أنه لا يوجد ناجون حقيقيون من الحروب حتى بعد مضي سنوات على انتهاء المعارك. فبعيداً عن الأيديولوجيات، تبدو بالنسبة لي قصص الناس العاديين هي الحالة الإنسانية الحقيقية وسط الفوضى، وأشعر أن التعقيدات النفسية والأخلاقية التي يواجهها الأفراد أثناء الصراع أهم من كل نشرات الأخبار.
هل نحن فعلاً ناجون من الحرب أم مجرد ضحايا لم يحالفهم الحظ بالموت! حاولتُ أن أسأل الناس عن فكرة النجاة اليوم وماذا تعني لهم؟
فادي شاب سوري سافر إلى العراق قبل سنتين هرباً من الخدمة العسكرية، وعاد قبل أيام بسبب صعوبة تأمين الإقامة هناك، عمل في أحد المطاعم وفي ظروف قاسية.. سألته عن سبب العودة فأجاب (يا صديقي.. لا يلي مسافر مرتاح ولا لي هون مرتاح، قلت لحالي أنجو من الخدمة الإجبارية وجيب مصاري وأدفع بدل، ولكن كانت مجرد أمنيات وأوهام قررتُ العودة فقد تكون ظروف الخدمة الإجبارية أسهل من العمل دون نتيجة… الحياة كلها هروب بهروب).
فادي سافر بشكل شرعي لكن هناك الآلاف خلال سنوات الحرب ركبوا (قوارب الموت) محاولين الهجرة بشكل غير شرعي، بحثاً عن النجاة في بلاد بعيدة وراء البحار، هم في الحقيقة قامروا بحياتهم وتخلوا عن كل شيء ذهبوا إلى المجهول بحثاً عن مستقبل أفضل، البعض منهم وصل والكثيرون منهم عاندتهم الظروف أو غرقوا في البحر ولقوا حتفهم.

قبل شهر ضجت الأخبار عن هروب لاعب سورية للجودو (حسن بيان)، أحد أفراد البعثة السورية المشاركة بأولمبياد باريس، وتقديمه طلب لجوء إلى ألمانيا، بغض النظر عما حدث والتعليقات حول الموضوع، ولكن في النهاية هو رأى أنها فرصة “للنجاة” لن تتكرر أراد ربما التخلي عن انتمائه وبلده بحثاً عن النجاة وعن مستقبل أفضل في بلد يصلح للحياة وتحقيق الأحلام أكثر من الواقع الذي لا يبدو أنه سيتحسن في الأفق المنظور، بينما من قرر البقاء في سورية أو بالأحرى لا يملك إمكانيات للسفر فقد اختلفت فكرة النجاة لكل فرد البعض يريد النجاة من الموت، والبعض من الفقر، والبعض من المرض، والبعض من ضياع الأحلام وأن يعيش حياة عبثية دون إنجاز يذكر.

مقاتلون بطريقة ما

إذا حاولنا فهم الطبيعة المتعددة الأوجه للنجاة، يمكن التقاط كثير من قصص النضال من أجل البقاء، ولكن أيضًا القدرة على الأمل وسط اليأس. إذا دققنا النظر، فقد نضطر لمواجهة كثير من الحقائق غير المريحة حول الصراعات والأثمان، والأهم الندوب النفسية والمعضلات الأخلاقية التي ربما نتحاشى مواجهتها.
(سعاد اسم مستعار لفتاة رفضت أن يكتب اسمها الحقيقي) فتاة موظفة عزباء تبلغ من العمر الثامنة والثلاثين حدثتني أن أقصى أحلامها أن تنجو من العنوسة وأن تصبح أماً قبل فوات الأوان وتضيف أنها تعيش في مجتمع محافظ ظالم يعتبر الفتاة عانس بمجرد وصولها سن الثلاثين حتى الرجال في بيئتها تبحث عن فتياة صغيرات للزواج، فالرجل تحاوز الأربعين يتزوج بسهولة من فتاة بالعشرين، وخاصة بعد انخفاض عدد الشباب في سورية وتختم حديثها قائلة: (أكثر رعب ويأس يصيب المرأة من أن تصل لسن اليأس دون أن تصبح أماً).
أثناء سعيهم اليومي للبقاء، لا يواجه الناس الخطر واليأس والفقر فحسب، بل يسعون أيضًا إلى الشعور بالحياة الطبيعية وسط ظروف عصية على التحليل.
سالم مدرس لغة إنكليزية يعيش في الريف، يبلغ الخامسة والثلاثين من العمر، لا يملك منزلاًُ ولا يستطيع تأسيس أسرة، لا يزال يلعب كرة القدم مع مراهقين دون سن الثامنة عشرة بشغف وحب كبيرة للكرة هو يعلم أنه بهذه الطريقة ينجو من فكرة أنه أصبح كبيراً ويهرب بمتعة من تعقيدات الحياة التي ليس بيده إيجاد حلول لها يقنع نفسه أن الزواج هم ووجع رأس على حد تعبيره، ربما يحتاج لهذه الفكرة حتى يشعر بأنه لم يتأخر عن شيء يذكر.

نحن جميعًا مقاتلون بطريقة ما، لدينا جميعًا هذه القوة بداخلنا. تجاربنا تعكس قدرة الروح البشرية على التحمل، ولدينا قدرة عجيبة على التأقلم، وأحياناً على الامتنان وتصنيع الأمل من الركام.

أبو محمود يبلغ الثالثة والثمانين من العمر، يقول لي: أنا متزوج منذ سبع وستين عاماً، ربيت عشرة أولاد ستة شباب وأربع بنات وعلمتهم وزوجتهم ولا أزال أعيش بهذه الغرفة منذ تزوجت، لم أشعر بأني أحتاج غرفة أوسع أو أجمل. الحياة جميلة عندما نقتنع بالنعم المحاطين بها مهما كانت بسيطة، لم أعد أريد النجاة من هذه الحياة أصبحتُ أفكر بفكرة النجاة بعد الموت وماذا سيحدث. الموت مخيف لأنه مجهول أنا أنتظره فقط ولا أريد أي شيء آخر من هذه الحياة التي مرت بسرعة.

الجميع لديه ضيعته الضائعة

قرأت مرة أن الجميع يحب قصص البطولة والنجاة من الأخطار خصوصاً في أفلام الآكشن والتقارير الصحفية السريعة بسبب كمية الأدرينالين والدوبامين والسيرتونين التي تفرزه أجسامهم كمستمعين ومشاهدين خارجيين، لكن الأشخاص الذين نجوا من الحروب والصراعات والظروف الصعبة، لم يختبروا هذه الكميات من الهرمونات، بل إن أجسامهم تقوم بإيقاف كثير منها، وتدخل عقولهم في تعقيدات كيميائية بشكل لا يمكن قياسه. كي تكون ناجياً، فقد تصارعت مع أسئلة أخلاقية أثناء سعيك للبقاء، واضطررت لاتخاذ قرارات صعبة، قرارات قد تتحدى بوصلتك وقيمك، وأعدت النظر بكثير من معتقداتك حول مفاهيم المعاناة، الخسارة، الصمود، الهروب، الخلاص والتحمل.
فاز فلم (من يحب الشمس) لصانعه الكندي من أصول إيرانية أرشيا شكيبة بجائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في مهرجان فينسيا التي تقدم للمواهب الجديدة، يصور الفيلم قصة رجب وابنه اللذين يعيشان في شمال شرق سورية، وهما يعملان في مصفاة بدائية لتكرير النفط (حراقة) للبقاء على قيد الحياة. رغم خطورة العمل، ولكنهما يعملان بحكم الضرورة، يتخذ المخرج العائلة كمثال للبشر عندما يصارعون للبقاء ويحاولون التعايش مع الوضع الحالي بصرف النظر عن السلطات المسيطرة على المنطقة، فهذه العائلة تحاول النجاة كل يوم بقوت يومها ولا تعرف ما ينتظرها في اليوم التالي، ولكن أفرادها يعيشون على أمل النجاة حتى يأتي شيء جديد يغير حياتهم.
لكل إنسان سوري في الداخل أو الخارج ظروف يحلم بأن ينجو منها بطريقة أو أخرى، ولكن الجميع يريد الخلاص من ذكرياته، ذكريات وطن وحرب ودمار، والجميع لديه ضيعته الضايعة التي يحلم أن يسكن فيها يوماً.