الإرادة

وراء الأكمة: فصل النساء عن الرجال أم بداية الاحتكار؟

خليل سرحيل

قبل بضعة أسابيع، ظهرت دعوات فصل بين النساء والرجال في المواصلات العامة. رافق الدعوة كثير من الجدل، بين التأييد والرفض وتقليل أهمية الموضوع في وقت تواجه البلاد أهم لحظة في تاريخها الحديث.

بعد سقوط نظام الأسد، ظهرت شركة الزاجل في المدن السورية المحررة تباعاً، وهي الشركة المهيمنة على قطاع النقل في إدلب، حيث تملك نفوذاً اقتصادياً كبيراً، فيما يبدو امتداداً لنفوذ سياسي لأصحابها. المرونة والسرعة والبراغماتية التي تتمتع بها الشركة لافت للنظر. فقد أعلنت عن تسيير باصاتها في حلب بعد ثلاثة أيام من انسحاب قوات النظام من المدينة في حين أعلنت بدء العمل في دمشق في 9 كانون الأول الماضي، أي بعد يوم واحد من دخول هيئة العمليات العسكرية إلى دمشق.

رافق إعلان شركة الزاجل عن توسيع شبكة باصاتها لتشمل كثيراً من المحافظات، إعلان تطبيق فصل النساء عن الرجال ما أثار نقاشاً واسعاً. هل هو لأسباب دينية، أم ضرورة أخلاقية لمنع التحرش؟ أم أنه جزء من خطة دعائية لتعزيز نفوذ الشركة الاقتصادي؟ وهل يمكن أن تكون ممارساتها الاجتماعية جزءاً من استراتيجية أكبر؟

النشأة والنفوذ

بدأت شركة زاجل العمل في عام 2020 وتخصصت في مجال النقل والمواصلات، وسيطرت بشكل كبير على قطاع النقل العام في إدلب مع غياب شركات منافسة، معتمدة على ما يبدو على أجورها المنخفضة من جهة، وعلى الروابط بين الشركة والجهات الفاعلة السياسية أو العسكرية في المنطقة من جهة أخرى، فشركة الزاجل مملوكة لأبي عبد الرحمن زربة (مصطفى قديد) أحد القادة الأمنيين المقربين من هيئة تحرير الشام، ومالك شركة “وتد للبترول” التي احتكرت في وقت ما ما توزيع المحروقات في إدلب قبل أن تعلن توقفها عن العمل  نتيجة تعالي الأصوات ضدها بعد تسببها بأزمات عديدة.

وخلال السنوات التي شهدت توقف المعارك واستقرار الوضع الأمني إلى حد ما في المناطق التي كانت تسيطر عليها حكومة الإنقاذ، ازدهرت التجارة بين الشمال السوري وتركيا، خاصة الوقود، المواد الغذائية ومواد البناء، بدأت شركة الزاجل بدخول سوق البضائع المستوردة وبرز اسم الشركة مجدداً خلال أزمة السكر التي شهدتها إدلب العام الماضي، حيث اتهمت باحتكار المادة، وتوسعت الشركة سريعاً لتمارس تجارة السيارات المستعملة بعد سماح تركيا بتصديرها إلى إدلب، وكانت الشركة مسؤولة أيضاً عن نقل كثير من البضائع عبر معبر باب الهوى، عدا عن عملها في إدارة التعرفة الجمركية، ما جعل مكاسبها ونفوذها يتنامى بشكل أكبر.

تمددت الشركة بشكل واسع وسريع في إدلب وسببت سياساتها إفلاس العديد من العاملين المستقلين في مهنة المواصلات، حيث سبب دخولها العمل في إدلب بخروج الكثير من السرافيس التي يعتمدها السوريون في النقل منذ السماح بدخولها عام 1995. ورغم أن الدفاع عن السرافيس كوسيلة نقل جماعية حضارية هي مهمة مستحيلة، فإن معضلتها دوماً كانت أنها مصدر رزق لعشرات الآلاف من العائلات التي غالباً ما تكون قد وضعت مدخراتها لشراء سرفيس ووجدت في مهنة سائق السرفيس دخلاً يمنع العائلة من السقوط إلى هوة الفقر والبطالة.

هكذا وجد كثير من سائقي السرافيس أنفسهم مضطرين لبيع سياراتهم خاصة بعد أن تمكنت شركة الزاجل من الحصول على الوقود بأسعار أرخص عبر شركة أخرى وهي شركة وتد المملوكة لنفس الشخص، لتقدم أسعار نقل رخيصة كما تتضمن ميزة جديدة، وهي فصل النساء عن الرجال ضمن الباصات.

بين الأخلاقيات والدعاية

يعتقد البعض أن الفصل يقلل من التحرش أو الإساءة في الأماكن العامة. لا نحتاج كثيراً من الدلائل لإثبات أن التحرش يسجل مستويات عالية في سوريا، وربما قد تكون أعلى في وسائل النقل، وهو الأمر الذي يحدث في كثير من الدول، ففي بريطانيا، ألمانيا واليابان، تسجل عربات المترو وخطوط القطار أعلى معدلات للتحرش والاغتصاب، وقد ترافقت هذه الحوادث مع مطالبة كثير من الجهات بتخصيص عربات للسيدات فقط، بحيث تستعملها النساء اللاتي لا تشعر بالراحة أو الأمان في النقل العام.

في سوريا، تمت الدعاية لهذا الفصل من دوافع دينية، فكثير من المجتمعات المحلية تعتبر الفصل بين الجنسين ضرورة للحفاظ على الأخلاق العامة، كما أن العادات والتقاليد تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل هذه الممارسات.

يرى المؤيدون أن الفصل يحافظ على خصوصية النساء ويقلل من الاحتكاك غير المرغوب فيه، ويعتبر المعارضون أن هذه الممارسة تمثل تراجعًا في حقوق المرأة ويعزز الفصل المفاهيم النمطية حول العلاقات بين الجنسين. وفيما قد تشعر بعض النساء بالأمان، بينما قد تشعر أخريات بالعزلة أو التهميش.

بالمقابل، يرى البعض أن الوقاية من التحرش ليست بالفصل، بل في نشر الوعي في المدارس والجامعات وكافة المرافق، وفي تثقيف النساء حقوقياً ومجتمعياً كي لا يتم استغلالهن وإبعادهن عن مجالات العلم والعمل بحجج واهية.

قانونياً، يبدو هناك فرق لا نعرف كيف سيتم التعامل معه في الحالة السورية، ففي دول مثل السعودية (قبل الإصلاحات الأخيرة) وإيران وأفغانستان، تم تطبيق فصل الجنسين في وسائل النقل، وهو قرار قانوني أي أن المخالف له يتهم قانونياً وقد يعاقب السجن أو الغرامة. في دول أخرى، كألمانيا واليابان، هناك وسائل نقل مخصصة للنساء التي ترغب بذلك وتفضلها. لا يوجد إجبار لأحد على استعمالها.

خاصة أم عامة؟

في الأسبوع الماضي، نقلت عدة مواقع إعلامية عن مدير شركة زاجل للنقل الداخلي عمر قطان تصريحات عن خطط لتطوير النقل العام في دمشق، وكان من اللافت أنه جرى التعريف بالشركة كشركة تابعة لحكومة تصريف الأعمال، وليس كشركة خاصة، كما أن قطان تحدث عن مصير الموظفين في الشركة العامة للمواصلات مما أشار إلى أنه يتحدث بصفة رسمية، رغم أن الأمور ما زالت غامضة حتى الآن، وقال قطان إن عدد الباصات العاملة في مدينة دمشق هي 75 باصاً فقط، بينما عدد الباصات المتوقفة تفوق الـ 600 باص، مؤكداً أنه لم يتم الاستغناء عن أي موظف في الشركة العامة للمواصلات، وأن هناك خطة لتحسين الرواتب في الشركة. كما قال أن الأجرة التي حددتها الشركة تتناسب مع سعر المحروقات، وتتراوح بين 3000-3500 ليرة، وفي النهاية أشار إلى أنه سيطبق الفصل بين العائلات والرجال في باصات النقل الداخلي.

يذكر أن أزمة المواصلات العامة في سوريا كانت منذ عقود وبسبب سياسات النظام السابق متفاقمة لأسباب كثيرة، منها الفساد في عقود الاستثمار، وفوضى تنظيم القطاع المروري، وضعف البنية التحتية، واحتكار توزيع الوقود عدا عن فساد شرطة المرور. وكلها ملفات شائكة أمام المرحلة الجديدة التي يعول عليها أن تبني سوريا من جديد، ملفات لا يمكن معالجتها بشركات احتكارية جديدة.