الإرادة

هل يستوي الجوع والعدل على كفتي الميزان نفسه!  فصل عشرات آلاف الموظفين والحبل على الجرار 

مادلين جليس
3 آذار: أعلنت وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية عن فصل 3 آلاف معلم من الخدمة.
28 شباط: قررت الشركة العامة للمنتجات الحديدية والفولاذية إيقاف 500 عامل عن العمل “لأجل غير مسمى”..
16 شباط: تسريح مئات الموظفين من مديريات صحة درعا، والسلمية، وطرطوس، واللاذقية.
8 شباط، إيقاف 200 موظف عن العمل في مصفاة حمص.
2 شباط فصل 1200 موظف من ميناء اللاذقية.
يستمر مسلسل إيقاف موظفي القطاع العام السوري عن العمل منذ ثلاثة أشهر بشكل يومي تقريباً. تختلف التوصيفات بين الوزارات والمديريات: تسريحات، فصل تعسفي، تجميد لثلاثة أشهر، إجازة بلا راتب، إجازة إجبارية براتب. جميعها – سواء كانت محقة أم لا -تندرج تحت بند القوائم السوداء التي يحذر الخبراء أنها مرشحة للتفاقم فيما يجد آلاف العاملين أنفسهم بلا مصدر دخل في بلاد مدمرة واقتصاد منكوب ومجتمع هش يفتقد الحد الأدنى من التماسك الأهلي.

قضية الرواتب والعمالة في القطاع العام، توصف بأنها قضية ذات وجهين، ففي حين أن البطالة المقنعة “تفقأ العين”، فإن الفصل الوظيفي المفاجئ قد يرمي آلاف السوريين إلى قاع الفقر، على ضآلة الرواتب التي يقبضونها، إلا أن الأزمة الاقتصادية الخانقة ومعدلات البطالة المرتفعة أصلاً، تجعل المشهد “أكثر قتامة وتعقيداً”، وتنذر بتحول هذه القضية إلى “قنبلة موقوتة” بدأت شراراتها بالمظاهرات والاعتصامات اليومية للموظفين في عدة محافظات سورية، احتجاجاً على عمليات التسريح المتواصلة. فيما المخاوف تتصاعد مع تفسير بعض القرارات على خلفيات مناطقية وطائفية لتصبح “وصفة جاهزة للانقسام المجتمعي”.

الفقر وأشباحه

على الرغم من عدم كفايتها، إلا أن نوال العلي لم تجد وظيفة ثانية، تطعم بها أطفالها الثلاثة بعد اختفاء والدهم في عام ٢٠١٤، ولذلك استمرت بوظيفته في مؤسسة الكهرباء على مضض.
حاولت نور حيدر جهدها أن تسعى وراء طموحها، فبعد أن نالت شهادة الهندسة وبعد أن عينت في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، تابعت دراستها، ونالت شهادة عليا في الإدارة العامة من المعهد الوطني للإدارة العامة لتعزز خبرتها الهندسية بخبرة إدارية أكاديمية، إلا أن ذلك لم ينفعها عندما وجدت نفسها مفصولة من عملها تحت بند “فائض عمالة”.
حال نوال ونور اليوم هو حال مئات آلاف الموظفين على امتداد الجغرافية السورية، ولا نبالغ إن قلنا إن الفقر والجوع باتا يتهددان أكثر من نصف السكان بعد فقدان وظائفهم، سواء ممن كانوا في الجيش السابق أو حتى مدنيين في مؤسسات ووزارة الدولة.  
فكيف إذا علمنا أن سورية احتلت المرتبة 100 من بين 125 دولة شملها مؤشر الجوع العالمي للعام 2023، بدرجة 26.1 وهي بذلك يكون لديها إلى جانب اليمن أعلى مستوى للجوع في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا التي بلغ متوسط مؤشر الجوع 11.9.
فكيف سيرتفع معدل الجوع بعد فقدان مئات آلاف الموظفين لوظائفهم وتسريحهم بطرق تعسفية دون توضيح الأسباب أو موعد العودة، أو الخطة المستقبلية لمستقبل القطاع العام وموظفيه.
إدارة المرحلة الانتقالية، من جهتها، قالت إن 900 ألف موظف من أصل مليون و300 يذهبون للعمل بالفعل. والباقي “أشباح”، بحسب توصيف وزير المالية محمد أبا زيد، في إشارة إلى أنهم يتلقون رواتب لقاء وظائف “وهمية”. وأضاف إن البلاد تتجه نحو اقتصاد السوق الحر، وهذا سيؤدي لخلق وظائف جديدة. لكن السؤال يبقى: لماذا بدأت الحكومة بقرارات “تقنين العمالة” قبل إجراءات “خفض البطالة”، “إعادة تدوير عجلة الإنتاج”، و”إنقاذ الاقتصاد”.

تفصل ولا تعيد

على الرغم من الاحتجاجات التي نظمها موظفون وكل المطالبات التي صدرت من عدة جهات، يبدو أن الحكومة لا تعطي أذنها للأصوات التي تطالب بوقف فصل الموظفين، وإعادتهم إلى وظائفهم، بل تتابع مسيرتها في “هيكلة القطاع العام” كما تصفه.
وبصفته المتحدث باسمهم، ينبري الاتحاد العام لنقابات العمال لإرسال المذكرات للحكومة مطالباً إياها بوقف إصدار قرارات فصل الموظفين وإعادة جميع العمال إلى وظائفهم، بحسب ما أكد مصدر خاص في الاتحاد.
وبحسب المصدر فإن الاتحاد أشار في المذكرة الأولى التي قدمها للحكومة لضرورة تدوير العمالة والاستفادة من الخبرات والكوادر في أماكن ثانية إضافة إلى أهمية التدريب والتأهيل للكوادر الحالية.
لكن لا يبدو هناك استجابة كاملة كما يؤكد المصدر، فقرارات الفصل تصدر يومياً وقرارات الإجازات لا تتوقف أبداً.
أما احتجاج الاتحاد على هذه القرارات فيقابل برد حكومي مكرر، وهو انتظار تشكيل الحكومة الجديدة لتكون قادرة على اتخاذ قرارات إعادة الموظفين.
ويضيف المصدر أنه كما تساءل الجميع فإن الاتحاد أيضاً تساءل كيف تكون الحكومة قادرة على إصدار قرارات بفصل الموظفين لكنها غير قادرة على إصدار قرارات إعادتهم لعملهم، وكان هذا التساؤل محض استغراب واستهجان الاتحاد الذي طالب أن يتم العمل وفق قانون العاملين ووفق المعاهدات والاتفاقيات الدولية لكن الاستجابة كانت ضعيفة جداً في بعض الأماكن وجيدة نوعاً ما في غيرها من حيث الاستجابة لمطلب الاتحاد بإعادة النظر عن طريق تشكيل لجان ليتم التقييم حينها بشكل ممنهج وصحيح وعلى أسس صحيحة.
وأشار المصدر أن بعض الوزارات تقوم بتشكيل هذه اللجان بينما لم تستجب وزارات أخرى، وهذا يدل على أن الاستجابة ليست حكومية بقدر ماهي فردية من الوزير أو المدير المعني.
كما طالب الاتحاد بتشكيل لجان خاصة تضم ممثل تنظيم نقابي، الذي يحضر أحياناً بشكل صوري أو شكلي، دون أن يكون هناك قرار مؤسساتي بوجود هذا الممثل.

قضية مصيرية

في الوقت نفسه الذي نرى فيه أن مطالبات العودة للعمل فردية، إلا أنها مشكلة جماعية واجتماعية في آن معاً، حيث يرى الدكتور مازن أكثم سليمان أن قضية تسريح الموظفين والموظفات والعمَّال تمثِّلُ قضية رأي عامّ مصيريَّة، لأسباب عدَّة، منها ما هو متعلِّق بموضوعة الشَّكل الاقتصاديّ القادم لسورية، ومنها ما هو متعلِّق بطبيعة تطبيق العدالة الانتقاليَّة وآلياتها، ومنها ما هو متعلِّق بالمصير المُباشَر، والأمن المعيشيّ لآلاف الأُسر والعائلات السوريَّة على امتداد البلاد.
وتأتي هذهِ الإجراءات من حيث العناوين العريضة تحت مُسميات إعادة هيكلة مؤسَّسات الدولة، والإصلاح الإداريّ، ويعطفُها البعض على فكرة العدالة الانتقالية بدعوى وجود المتنفِّذين والشَّبِّيحة والفاسدين في هذهِ المُؤسَّسات، ويربطُ كثيرون ما يحدثُ أيضاً بخطوات خصخصة القطاع العامّ بأكملهِ.
ويشير سليمان إلى أنه لا أحد من السُّوريِّين الوطنيِّين يرفضُ إعادة الهيكلة، والإصلاح الإداريّ، ولا أحد لا يؤمن بضرورة ضغط مصاريف العمالة الزائدة والبطالة المُقنَّعة، وحصر الموظفين الوهميِّين، واستبعادهم.

في المقابل، هناك أولئك السوريون الذين يناضلون من أجل بناء دولة مؤسسات، وليس بناء التماثيل، ويطمحون لكتابة القوانين وليس الأقوال المأثورة، ويحلمون بدستور يضمن الحريات، وتحقيق العدالة وتداول السلطة. أولئك الذين سيملؤون جدران البلد بأفكار واعية، تنادي بدولة تضمن للجميع كرامتهم، ولا مكان للإقصاء فيها، ولا يتم فيها صناعة طاغية جديد.

لم يكن السوريون على مدار التاريخ خارج الحياة السياسية ولو أن الأسد قد شوّه أحزابها وأعطبها. ولديهم من الخبرة والمعرفة الكثير الذي يعول عليه في المرحلة السابقة، قامت انقلابات كثيرة وبقيت سوريا جسداً واحداً. وستبقى محمولة بأذهان المهاجرين والحاضرين كحضن جامع ومتنوع، وستعود الحياة السياسية بصور أقوى، لتكون صورة فرار الطاغية، كل طاغية، وسقوطه هي تعريف لإرادة الشعب للأبد.

الاستقرار الاجتماعي في خطر

ولهذا يرى أنَّ ما يحدثُ الآن يُشكِّلُ خطراً على الاستقرار الاجتماعيّ والوطنيّ، ويُهدِّدُ المرحلة الانتقاليَّة ذات الطَّبيعة الهشَّة بسبب ورثة النَّظام البائد، وهيَ المسألة التي تقود إلى احتقان اجتماعيّ معيشيّ يُهدِّدُ آلاف الأًسر والعائلات في مصدر رزقها ومصير أبنائها، والجميع يعرف أنَّ معظم هؤلاء الموظفين والعمَّال كانوا بالكاد يستطيعون الاستمرار والصمود في ظروف الانهيار الاقتصادي بوجود رواتبهم، فكيف من دون وجودها؟
ويعتقد أنه أيَّاً تكُن مُسوِّغات الحكومة، تبقى الأولويَّة لعقل بناء الدولة، ومشروعها المصيريّ، وهذا العقل ينبغي أن لا ينظرَ إلى الموظفين والعاملين بوصفِهم كانوا يعملون في مؤسَّسات النظام البائد؛ إنَّما بوصفهم موظفي وعاملي الدولة السُّوريَّة، وينبغي، في أقلّ تقدير تأمين بدائل معيشيَّة لهُم، حرصاً على مصير عائلاتهم وأبنائهم الذين هم أبناء سورية كلها، وحرصاً على استقرار سورية ومشروع بناء الدولة، فمن غير المنطقي رمي آلاف الناس في المجهول، من دون حلول معيشيَّة مدروسة. 
ويضيف سليمان: أنتظر أن تتمّ مراجعة هذهِ القرارات، وتجميدها سريعاً، واعتماد أُسُس قانونيَّة واضحة في تنفيذ إعادة الهيكلة والإصلاح الإداريّ، ومُراعاة طبيعة كُل مُؤسَّسة وخصوصيَّة كلّ كفاءة، واتِّباع آليَّات تدريجيَّة منظمة، بحيث تكون قد دارت عجلة الاقتصاد السوريّ، وتمَّ تأمين بدائل تحفظُ كرامة السوريِّين وعائلاتهم، بما يحمي مشروع بناء الدولة واستقرارها الوطنيّ والاجتماعيّ، وهذا لا يتناقضُ، ولا ينبغي أن يتناقض مع محاسبة الفاسدين أو الشبِّيحة، أو طرد العاملين الوهميِّين، وتنظيم العمالة الزائدة والبطالة المُقنَّعة.

ازدواجية وتعسفية

لا تخفِي الخبيرة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب مدى الترهل في بنية الوظيفة العامة، والخلل الكبير في آليات التعيين والتوظيف، وأن القطاع العام بحاجة إلى إعادة هيكلة وتنظيم، كما تقول، لكنها تؤكد أن إعادة الهيكلة ليست من صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، وليس من صلاحياتها أيضاً أن تصدر قرارات بالفصل لموظفين مثبتين في مختلف الجهات الحكومية. 
وتؤكد سيروب ازدواجية الفصل الواضحة جداً، فبحسب الحكومة فإن قرارات الفصل تصدر بسبب وجود فائض عمالة، لكنها بالمقابل تعيد الموظفين المفصولين على عهد النظام السابق.
وعلى الرغم من عدم صلاحيتها بالفصل إلا أن سيروب تشير إلى أنه في حال قامت الحكومة بإصدار قرارات الفصل فيجب عليها أن تتبع قانون العاملين الأساسي، مشيرة أن كتب الفصل التي تصدر هي كتب جماعية لا يبلغ بها الأشخاص فردياً، وليست مسجلة في ديوان المؤسسة أو الوزارة وهذا يعني أن الفصل لا يتم بشكل مؤسساتي.
كما أن قرارات فصل الموظفين التي تصدر بناء على أحكام قانون العاملين الأساسي موقعة من الوزير المعني، تشي بعدم كفاءة وضعف واضح لدى الوزير في حكومة في تصريف الأعمال الذي اتخذ قرارات بفصل العاملين وكأنه رئيس مجلس الوزراء والكلام لسيروب.
 وتضيف: القانون واضح (طالما القرارات تصدر بموجب القانون)، قرار الفصل يأتي من رئيس مجلس الوزراء (وليس من الوزير) بناء على اقتراح لجنة من مؤلفة من وزير العدل ووزير الشؤون الاجتماعية والعمل ورئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية.