الإرادة

نظرة الكائن المتفوق

خليل سرحيل

في كل عام، وفي كل رمضان نمر به، أقرر أني لن أخرج من بيتي إلا في الحالات الاضطرارية. ليس تفرغاً للعبادة ولا لغاية الصيام. فأنا من ذوي الإعاقة ولا أعتبر نفسي متديناً. لكن اكتشفت أنني في هذا الشهر بالتحديد أُصبح محطّ أنظار الجميع، خصوصاً أنه شهر الإحسان للمرضى والفقراء والمساكين. هذه هي التعاليم.

ففي اليوم الذي اضطررت فيه للخروج  في هذا الشهر، عرض عليّ الناس المال ثلاث مرات، وأنا في طريقي إلى طبيب الأسنان أكزّ على ألمي ويغلبني شعور قويّ بالتوتر. الرجل الأخير الذي قرر أن “يُحسن” لي ترك في داخلي أثراً مقيتاً وغضباً لا يمكنني تحمله.

في وقت الغروب، بينما كنت أقف في الشارع الرئيسي في ساحة مزدحمة بأناس يتسابقون على المواصلات العامة ليعودوا إلى بيوتهم، فيما أنتظر أن يعطيني بائعُ الخضروات مشترياتي لأعودَ لبيتي أيضاً. وفي لحظة كنت أشعر كم البشر يشبهون بعضَهم، وقف رجلٌ طويلٌ أمامي، في يده اليمنى سُبحة غاليةُ الثمن من عظام السمك أو العاج، تلمع مُزينة بالفضة، وفي يده اليسرى خاتَمٌ إلكتروني لتسجيل عدد التسبيحات والتكبيرات والتهليلات… كانت ملامحُه قوية وقاسية قليلاً. لم يبتسم لي، أو يلقي السلام أو حتى يدعو لي، وضع يديه في جيبه ليعطيني نقوداً. ارتبك قليلاً عندما رأى المال بين يديه، سحره منظر الأوراق النقدية وأخذ سهوة طويلة يفاضل ويفكر أيَّ ورقة سيعطيني.

آذان المغرب اقترب ومعه تُفتح أبواب الجنة. نظر إليّ ثانية، في محاولة لتقدير “ثمن” الإحسان الذي أستأهلُه. في النهاية، لا أحد يريد أن “يُغلب” في السعر الذي يُدفع.  في العادة أرفض المال ببساطة وأقول إنني لست متسولاً، ولمن يزعجني أو يلحُّ عليّ، أجيبه بأن دخلي أعلى من دخلِك، وعليّ أنا الإحسان إليك، وأحياناً أعطيه وأعرض ضعف ما قدمه، فالحسنة تتضاعف كما هو مفترض.

لكني هذه المرة، لم أتحمل نظرة هذا الكائن المتفوق التي رمقني بها. كنت أيضاً متألماً من أسناني، وفي مزاج عَكِـر. فبعد أن قرر أني أستحق ورقة من فئة الخمسمئة ليرة سورية، سألته مستغرباً هل حقاً تعتقد أنك ستدخل الجنة بورقة من فئة الـ 500؟

دائماً ما أحاول أن أكون مسالماً ما استطعت، ولكني رغم ذلك لا أستطيع الحفاظ على توازني دائماً. قد يمكنني التعامل مع من يحكمون عليّ بالتسول، ويعتقدون بحاجتي للمال، ولو كانوا لطفاء، وفي الحقيقة، من الممكن أن يكون سوء الفهم هذا بداية لصداقة حقيقية. لكن لم أستطع فعل ذلك مع هذا الكائن المتفوق، وأجبته بسخرية وعدائية قد لا يكون يستحقهما.

شعرت بشيء من الاختناق والرغبة بترك الساحة المزدحمة، والناس المنتظرة، وأكياس البقالة. قررت أني سأعود  بتكاسي الأجرة، ولو كان الأمر مكلفاً مادياً. كأنني أريد الانتقام من تلك النظرة التي رأتني عاجزاً وضعيفاً. لا ألوم الكائن المتفوق لكنني أمقت حكمه المسبق ونظرته التي أشبعتني بالدونية.

اليوم، كنت أنتظر صديقة قادمة لزيارتي، أراقب الشارع من نافذتي، وأنا غير مرئي. أعيش وسط حارة مليئة بالحركة، وجيراني رغم أنني من ذوي الإعاقة ينادونني الأستاذ. أتبادل دائماً التحية معهم كلما خرجت من المنزل. كانت الحركة طبيعية والناس تسير مسرعة، لأن التيار الكهربائي موصول. توقف رجل مسن يجر كرسياً فيه طفل من ذوي الإعاقة. وما إن اقترب أحدهم وأعطى العجوز ورقة من فئة الألف ليرة طالباً الدعاء له، مشدداً على أنه شهر فضيل بصوت عال. حتى أتى الجميع مسرعين للشيخ المسن، وفي يدهم النقود والشيخ بدوره يدعو للناس، ويخفي النقود في جيب الكرسي المدولب. حتى جاري الذي يناديني بالأستاذ أعطى النقود للطفل الصغير ليكون صاحب الخير هذا اليوم. ابتسمت من نافذتي، وتساءلت كيف يُفكر بي حقاً.

تزداد الإعلانات الخاصة بتقديم المساعدات لذوي الإعاقة، وتستقبل الجمعياتُ المعنية بشؤونهم معظمَ التبرعات في هذا الشهر، كأنهم يصبحون مرئيين أكثر، ورغم أهمية ذلك، لكن حقوق ذوي الإعاقة هي قضايا يومية لا تتوقف ولا تظهر في شهر وتختفي بقية العام.

مرة أخرى تكون المقاربة الخيرية مثالاً صعباً ومعقداً نعاني منه نحن ـ ذوي الإعاقة ـ

افتراضُ الصور المسبقة عن ذوي الإعاقة، وربطهم بالعجز والحاجة، واعتبار أنهم مباركون يملكون وصفة سحرية لدخول الجنة. أشياء نعاني منها وخصوصاً في شهر رمضان، ومن المؤكد أننا نريد من المجتمع فعلَ الخير، ولكن ما يشغلنا هو الأسلوب والمقصد، عاملونا على أننا بشر طبيعيون، ولسنا بطاقة لدخول الجنة. انصروا قضيتنا لنستلم حقوقنا، وحاربوا معنا التهميش الحاصل ولا تعطِني ما هو زائد عنك. يبدو من المحزن مشاهدةُ الخيط الرفيع الذي يسير عليه من يحارب من أجل حقوق ذوي الإعاقة في حياته اليومية. فهو شخص لديه رغبة في التغيير، ولكنه لا يعرف كيف يحققها، يرتجل ويتعرض للإحراج ويُسببه للآخرين. وهكذا تدور دورة أخرى لرمضان آخر ومقاربات خيرية جديدة. ولهذا تراني في شهر رمضان أهرب من الشوارع، وفي رأسي حلم أننا يمكن أن نمضي العام كله معاً في بيئة طبيعية ودامجة.