الإرادة

من ساحة الملعب إلى ساحة المعركة، هل ولدنا للتنمر؟ محاولة لفهم الصراع البشري

By Dr. Terrence Webster-Doyle

ترجمة: منصة إرادة- دنيا البارودي

   تتم محاولات فهم الصراع الإنساني بشكل تقليدي وأحياناً بطريقة علاجية وتفاعلية، وبذلك تتم على المستوى الثانوي من “الحل”، من خلال وسائل علاجية أو أخلاقية، كما في حالة الصراع الفردي، أو من خلال التدخل الدبلوماسي أو السياسي، كما في حالة الصراع الاجتماعي.. أو يتم تناولها على المستوى الثالث لإدارة الصراع من خلال التدخل القضائي أو العسكري.

لا تعالج هذه الأساليب الصراع على مستوى الوقاية الأولية في فهم وتجنب العوامل البيولوجية الأساسية، وبالتالي العوامل النفسية التي تخلق الصراع بالطريقة المشروطة التي نفكر ونتصرف بها. ولذلك فهي غير فعالة بشكل أساسي لأنها لا تمنع حدوث الصراع في المقام الأول.

لكي نفهم ما الذي يخلق الصراع وما الذي يمنع السلام، علينا أن ننظر إلى أصول الصراع على المستوى النفسي الأولي وبالطرق التي تعلمنا من خلالها التفكير والتصرف، وكيف يمكن أن تؤدي هذه الطرق للتنمر وإلى الحرب أيضاً – من الملعب إلى ساحة المعركة. هذا ما سيكشفه هذا البحث.

هل يولد الأطفال متنمرون؟

في التجارب التي أجراها أستاذ علم النفس بجامعة كولومبيا البريطانية، كيلي هاملين، وجد أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين تسعة إلى 14 شهراً يستمتعون بالتنمر على الأفراد الذين يرون أنهم مختلفون عنهم.

تبدو الدراسة، معاينة مرعبة لحقل الألغام الاجتماعي، الذي هو في هذه الحالة، كافتيريا الروضة. فقد عرضت على الأطفال الرضع الاختيار بين وجبة خفيفة من بسكويت غراهام أو الفاصوليا الخضراء. ثم عُرض على الأطفال مقطع فيديو لدميتين. في الفلم القصير، فضلت إحدى الدمى نفس الوجبة الخفيفة التي تناولها الطفل، بينما قامت الدمية الأخرى باختيار الوجبة الخفيفة التي رفضها الطفل (وهو ما سيصبح خطأ مصيرياً).

عندما سئل الأطفال عن أي من الدمى هي المفضلة لديهم، اختاروا الدمية ذات الأذواق المتماثلة معهم.

تأخذ التجربة منعطفاً شريراً بعض الشيء عندما يُعرض على الأطفال مقاطع فيديو للدمى وهم يتنمر بعضُهم بعض. لم يقتصر الأمر على أن الأطفال لم يمانعوا عندما قامت دميتهم المفضلة بإيذاء الدمية التي اختارت ما هو مختلف عنهم، بل أظهروا أيضاً محاباة للدمى الجديدة التي تتنمر على الدمية التي تحب وجبات خفيفة مختلفة عن الرضيع.

في حين أن نتائج الدراسة يمكن أن تفيد استراتيجيات مكافحة التنمر المستقبلية، إلا أنها في الوقت الحالي مجرد نظرة خاطفة تقشعر لها الأبدان في عالم التنمر على الأطفال، وكيف يتعلم الأطفال شق طريقهم في هذا العالم.

أسئلة للطرح: أصول الصراع البشري

ما هي الأسئلة الأولى التي يتعين علينا طرحها لبدء هذا الاستكشاف لأصول الصراع البشري؟ هل نحن مصممون وراثياً للتنمر؟ هل نحن مستعدون بيولوجياً للصراع؟ هل الحرب مشفرة في حمضنا النووي؟

انظر إلى الرسومات الموجودة في الكهف منذ عصر الإنسان الحجري. سترى كيف قاتل البشر بعضهم البعض على الأرجح منذ آلاف السنين. لقد اعتقدوا أن عليهم القتال من أجل الحفاظ على سيطرتهم على الغذاء والماء وما يعتبرونه أراضيهم الخاصة وأماكن نفوذهم. فهل هذا مبني بيولوجياً في بنيتهم الجينية؟ هل البقاء للأصلح؟ هل “نحن” و”هم” مبرمجون للدفاع ضد من نعتبرهم أعداءنا (منافسينا)؟

 انظر إلى الصور القادمة من الجبهات المشتعلة في العالم للجنود الذين يقاتلون الآن. إنهم يرتدون الزي الرسمي ويستخدمون أسلحة متقدمة، لكنهم بخلاف ذلك لا يبدون مختلفين كثيراً عن إنسان الكهف. ما زلنا نحن البشر نتقاتل من أجل الأسباب نفسها غالباً، الموارد، الأرض، المعتقدات والاختلافات، ولكن باستخدام الأسلحة الأكثر تطوراً والأكثر تدميراً. لقد ترك لنا أسلافنا القدماء بصمة وراثية من سلسلة من السلوكيات الشبيهة بالحرب ومنها التنمر. فهل ما زال عقلنا المتنمر البيولوجي هو المسيطر؟

انظر كيف تطورت أسلحتنا على مر القرون. جميعها قادرة على القتل والتشويه والتدمير، بمجرد الضغط على زر. هل نريد الاستمرار في تمرير الجينات المحبة للحرب إلى الأجيال القادمة؟ أم نريد أن نكسر أغلال المحاربين القدماء الذين سبقونا؟ لا يمكننا أن نفصل أنفسنا عن آثار أقدامنا أو ظلالنا، ولا يمكننا أن نهرب من المشاعر العنيفة التي تشكل جزءاً من هويتنا. ولكن يمكننا أن نتعلم كيفية فهم الصراع، وأن مصدر الحرب يكمن في أنفسنا، وفي الطريقة التي تكيفنا بها على التفكير والتصرف، وبمجرد أن نفهم ذلك، فإننا نتغير ونتحكم في غرائزنا.

تطور التنمر البشري

استخدم الإنسان القديم العصي والهراوات للبحث عن الطعام. اليوم ليس علينا أن نفعل ذلك. نتوجه إلى محل بقالة، لكن الناس يتشاجرون على أشياء أخرى غير الحصول على ما يكفي من الطعام أو مكان آمن للسكن. لا يزال الناس اليوم يتشاجرون عندما يغضبون أو يشعرون بعدم الاحترام أو الأذى أو عندما يكون لديهم رأي مختلف عن رأي شخص آخر. لكن ما هو معروف الآن هو أننا جميعاً ولدنا متنمرين. التنمر متأصل في أدمغتنا، وعندما نتركه دون اهتمام، يمكن أن نصبح متنمرين بالغين يقاتلون في الحروب.

يذهب البشر إلى الحرب عندما يصبحون خائفين من الآخرين. المتنمرون هم أشخاص خائفون من مجموعة أخرى من الناس الذين قد يقتربون من حدود سلطتهم أو يظهرون اختلافات عنهم أو يحملون معتقدات متعارضة. في عالم اليوم، أصبح المقاتلون أصغر سناً وأصغر. الأطفال يخوضون حروبنا. المهارات البدنية ليست كافية لإيقاف التنمر أو منع الشجار. 

كل شيء يبدأ في أدمغتنا:

جميعنا نردد هذه الجملة أحياناً “هناك أيام تشتعل الحرب في عقلي”. هل يمكن أن يكون هذا هو السبب وراء قيامنا بالحرب على كوكب الأرض؟ تشبه الحرب في ذهني وجود مخلوق كهف قديم أو متنمر “حي” حقيقي يعيش معي. إذا تمكنت من إيقاف المتنمر الموجود داخلي من بدء حرب في عقلي العميق، فربما لن أحتاج بعد الآن إلى خوض أي حرب خارج كياني الشخصي، على هذا الكوكب؟ لقد تطور العقل البشري مع مرور الوقت. يمكن للدماغ البشري اليوم أن يفعل أكثر بكثير مما كان يستطيع أن يفعله في رؤوس أسلافنا القدماء.

ثلاثة أجزاء من دماغنا مع د. ديفيد بوم

كان الدكتور ديفيد بوم عالماً في فيزياء الكم وزميلاً سابقاً لألبرت أينشتاين، وكان مهتماً جداً بكيفية خلق الدماغ لأسباب الصراع ومبررات استمراريته. وضع د. بوم نظرية الأدمغة الثلاثة:

  • دماغ الزواحف (القديم، الغرائزي). 
  • دماغ الثدييات (الوسط، العاطفي).
  • القشرة المخية الحديثة (الجديد، المفكر).

عندما تعمل الأجزاء الثلاثة من دماغنا معاً بشكل مثالي، نشعر بالتوازن والسلام. تنشأ المشاكل عندما يتولى دماغنا البيولوجي الزاحفي السيطرة على الآخرين، وهو ما يحدث أحياناً. تعمل أدمغتنا الثلاثة مثل أجهزة الكمبيوتر البيولوجية المترابطة.

القشرة الدماغية هي منحوتة الفنان رودان “المفكر” التي تمثل البشر كمفكرين. إنه ذلك الصوت: “أعتقد أنه يمكنني إحداث فرق في العالم”

 دماغنا الزاحفي: هو الأقدم. يتحكم في التنفس، معدل ضربات القلب، والغريزة. وأيضاً إحساسنا البدائي بالملكية ومناطق نفوذنا وسيطرتنا. فهم آلية هذا الدماغ يساعدنا في تفسير صعوبة التحكم في الغضب مثلاً، لأنه غالباً ما يظهر نتيجة الشعور بالتهديد أو محاولة شخص ما أخذ شيء نعتقد أنه ملكنا.  دماغنا الزاحفي يعرف أننا بحاجة إلى الأكل، الشرب، والنوم، ومتى نمارس العادات المفيدة من أجل البقاء. لذا، نحن بحاجة إلى دماغنا الزاحفي. في الواقع، لن نتمكن من البقاء بدونه!

يركز دماغنا الزاحفي على احتياجاتنا الأساسية. “طعام!” “شرب!” “ينام!”

دماغنا الثديي تطور بعد دماغ الزواحف. ينظم جميع أنشطتنا الجسدية وينقل المعلومات إلى عضلاتنا وأعضائنا. إنه مركز التفكير، الذاكرة، والعاطفة، وهو المسؤول عن تطوير اللغة البشرية، التفكير المجرد، الخيال، والوعي. يقوم بإصدار أحكام قيمة: “هذا جيد!” “هذا ليس جيداً!”. دماغنا الثديي يتعرف بقوة على الخطر بناءً على التجارب السابقة. ويجعلنا ندرك أنفسنا ككينونة واعية منفصلة عما يحيط بنا.

يوفر دماغنا الثديي وعياً واستجابة عاطفية. “هذا الطعام جيد!” “أريده!”

قشرتنا المخية الحديثة: هي الجزء العلوي من دماغنا الذي نما كثيراً منذ أن كنا مخلوقات كهفية. تشغل ثلثي كتلة دماغنا الكلية! تسمح لنا القشرة المخية الحديثة بالاختراع والإبداع! لديها القدرة على التحكم في عواطف الثدييات ورغبات الزواحف. إنها الجزء العقلاني من دماغنا، والذي يميزنا عن الحيوانات.قد تعتقد أن القشرة المخية الحديثة ستتغلب على الدوافع الغريزية لأدمغتنا الزاحفية والثديية، لكنها لا تفعل ذلك دائماً.

تمنحنا القشرة المخية الحديثة لدينا القدرة على التفكير في الأمور ببطء ووعي.

يستطيع الدماغ الجديد إنتاج صور مقنعة جداً لترويض الدماغ القديم. يعرف الدماغ القديم كيف يتم إثارة رد فعل الأسد ويقول: “اركض”. أو يظهر شيء جميل ويقول: “اذهب إلى هناك”. الدماغ القديم لا يتطلع لمعرفة ما إذا كان موجوداً أم لا. يتم إثارة الأمر فقط.

بالمقابل، الدماغ الجديد ليس لديه سبب للقيام بأي شيء بمفرده. لذلك، عندما يتم تحفيز كل شيء، فإنه يرتبك ولا يعمل بشكل صحيح. لنفترض أن هناك شيئاً يزعجك أو يخيفك. تأتي والدتك وتقول لا تقلق بشأن ذلك؛ فتشعرك بالأمان. ثم عندما يتغير الوضع فجأة أو تفكر بشكل مختلف، يتم إزالة الإندورفين. يتطلب الدماغ القديم أن تفكر مرة أخرى بطريقة تعيد إنتاج ذلك الإندورفين؛ فهو يتطلب أفكاراً زائفة تمنحك شعوراً لطيفاً بالأمان.

والآن، من يزودك بالأفكار الكاذبة؟ الدماغ الجديد. إنه ببساطة آلة تقدم ما يرضي الدماغ القديم من أفكار. الدماغ الجديد يصبح مدمنًا على تزويد الدماغ القديم بالأفكار التي تهدئه وتمنحه شعوراً جيداً. يجب على الدماغ الجديد أن يفعل ما يريده الدماغ القديم. الدماغ الجديد لا يستطيع السيطرة على الدماغ القديم. لكن المجتمع والثقافة قالا: “دع الدماغ الجديد يتحكم في الدماغ القديم. أن تكون فاضلاً يعني أن تفعل ذلك.” يتعامل الدماغ القديم مع البقاء على قيد الحياة، وقد اكتشف الدماغ الجديد أنه يمكن أن يساعد الدماغ القديم في النضال من أجل البقاء من خلال تحسين الأدوات وغيرها من الأساليب.

التحدي الذي يواجه البشرية هو: كيف يمكن للبشرية أن تجعل هذين الدماغين يعملان معاً؟ هناك حاجة إلى حركة جديدة لا يمكن أن تبدأ في أي من الدماغين. يجب أن تبدأ بطريقة أخرى، أكثر إبداعاً.

أدمغتنا الميكانيكية: أهمية الوعي والملاحظة

هناك الكثير من الآراء في عالم اليوم، على شاشة التلفزيون، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الصحف والمجلات، أينما نظرت. ونحن ندرك حدوثها بشكل خاص أثناء الحروب، الصراعات والحملات السياسية. تسمح لنا الملاحظة التجريبية برؤية الأشياء هنا، الآن، في الوقت الحالي، دون الاعتماد على أي معلومات قديمة يقدمها دماغنا المكون من ثلاثة أجزاء. وبعبارة أخرى، فهو يسمح لنا بالتفكير بأنفسنا! بوعينا الخاص.

إن دماغنا عبارة عن آلة بها الكثير من التروس والعجلات المكيفة! بدلًا من العمل من خلال الملاحظة التجريبية المباشرة، نتفاعل في معظم الأوقات بأفكار وعواطف مبرمجة ومشروطة لا تستند دائماً إلى الحقيقة. لقد شعرنا جميعاً بالتهديد من شيء ما أو شخص ما، وكثيراً ما نكتشف أن التهديد الذي تخيلناه تبين أنه غير حقيقي! هذا بسبب التروس والعجلات المكيفة في دماغنا الميكانيكي!

هل أدمغتنا مجرد آلات مبرمجة للتنمر؟ هل يمكننا أن نرى أن الصراع ليس مشكلة يجب حلها، بل الصراع حقيقة يجب مراقبتها؟ بمجرد أن نلاحظ ذلك، يمكن أن يتوقف الصراع في تلك اللحظة بالذات! في تلك الثانية التي تقول فيها “أه.. لقدر فهمت الآن!” أنت الآن في وضع ملاحظة نفسك واكتشافها، لم تعد في صراع!

الخاتمة: قوة التأمل

عندما نركب دراجتنا، أو نسافر بالسيارة، غالباً ما نحتاج إلى التوقف عند إشارة توقف أو إشارة المرور، لننظر ونستمع. هذا التوقف يخلق وقفة. إنها فترة توقف نصبح فيها في حالة يقظة إضافية، حيث يبدو أن حواسنا تتزايد عندما نبحث عن المشاة أو حركة المرور القادمة.

وبنفس الطريقة، عندما ينشأ صراع بداخلنا، فهذا هو الوقت المناسب للتوقف مؤقتاً – للملاحظة والاكتشاف!

  • فكر! كيف يمكنني إيقاف هذا الصراع بداخلي؟
  • هل يمكنني إيقاف هذا الصراع عن النمو؟
  • هل يمكنني ملاحظة وفهم موضوع الصراع؟
  • إذا كان صراعي مع شخص آخر، فهل أفهم وجهة نظر هذا الشخص؟
  • هل يمكنني أن أتذكر التوقف في أي وقت أشعر به بالانزعاج أو الغضب وأتذكر مراقبة الموقف بشكل مباشر؟