الإرادة

من حلب: الزلزال مر من هنا… قبل عام كأنه البارحة

حلب- رحاب الإبراهيم

يضع الحلبيون أيديهم على قلوبهم عند تذكر لحظات الزلزال المرعبة، التي لم تغب عن الذاكرة أساساً وخاصة أن آثاره الكارثية لا تزال حاضرة في كل ركن من مدينتهم المنكوبة رغم مرور سنة على الحدث المشؤوم. لحظة أعادتهم إلى نقطة الصفر مع عيش الكثير منهم الآلام والصدمات النفسية بعد محاولة لملمة جراحهم من حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، ليكتفوا بعد تنفس الصعداء بالقول “تنذكر وما تنعاد.

التفاصيل المهولة لوقوع الزلزال في فجر 6 شباط والعشرين منه تحضر إلى ذاكرتي بقوة هذه الأيام، التي تصادف مرور سنة على حدوثه، وتتملكني غصة عميقة عند صدور أي صوت قوي كحال أغلب من عاش تلك اللحظات المخيفة في مدينة حلب، ففي ثواني قليلة كدت أخسر حياتي وعائلتي وبيتي الواقع في منطقة نظامية وليس في المناطق العشوائية، التي تجسدت المأساة الكبيرة فيها نتيجة سقوط أبنية بأكملها فوق رؤوس قاطنيها، وسط مخاوف من انهيار بعض الأبنية الواقفة على “شعرة، وهذا سبب شعور متواصل بالرعب خاصة من فقد أحبة وأصبح بلا بيت يأويه.

في كل بيت حلبي هناك قصة تروى لحظة حصول الزلزال المدمر، لكن مصائب بعض العائلات تبقى أكبر من غيرها، فهناك عائلات فقدت أفرادها كاملة ليبقى شخص واحد فقط شاهداً على الكارثة وهناك من فقد جزء من جسمه أو فقد بيته وكل ما يملك.

الزلزال المدمر فاقم معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة... فكيف هي أوضاعهم المعيشية والنفسية بعد مرور عام على الكارثة ..؟!

المصاب مصابين:

تتحدث علا سمان، وهي أم طفلين يعانون من شلل حركي كلي “ابنة عمرها 16 عاماً وابن عمره 5 سنوات” عن قصتها المؤلمة، حيث فقدت والديها في حي العقبة المنكوب في المدينة القديمة حينما سقط البناء فوق رؤوس قاطنيه، فكان مصابها مصابين لتقول: لدي طفلة سليمة اتجهت صوبي فوراً لحظة وقوع الزلزال لإنقاذ أخوتها المشلولين، فحمل زوجي ابنتي الكبيرة وحملت ابني المشلول ونزلنا إلى الشارع فوراً من الطابق الرابع خشية انهيار المنزل كلياً،  لكن قلبي شعر فوراً أن هناك مصيبة ألمت بأهلي، الذين كانوا قد فارقوا الحياة بعد السؤال عنهم عند الوصول آمنين إلى الشارع، فالبناية كانت قد هبطت كلياً وبقى أمي وأبي ساعات طويلة تحت الانقاض

وتتابع في سرد معاناتها التي لا تقف عند فقد أهلها، فالوجع الذي تعيشه يومياً مع أطفالها المشلولين كلياً لا يقل قسوة جراء صعوبة تأمين احتياجاتهم من الأدوية والحفاضات، التي تقصم أسعارهما الظهر وخاصة أنها ربة منزل لا تعمل وزوجها مجرد صانع حلويات في أحد المحال المختصة بذلك

الأطفال  أولاً

حال السيدة علا سمان الصعب معيشياً ينطبق على فائز إسماعيل “39” أب لطفل واحد، لكن ردة فعله عند الزلزال تختلف نسبياً، فإصابته بعمى كلي تجعل حياته وحياة عائلته مهددة بالخطر في مثل هذه الكارثة، فقد فضل البقاء في المنزل لحين انتهاء لحظات الزلزال المخيفة فيقول لـ”إرادة”: غريزة الأبوة ألهمتني البقاء في المنزل، إذ يصعب النزول من الطابق الخامس دون التعرض إلى مشاكل يصعب تجنبها بسبب وضعي، فرغم الرعب الشديد يجب على الأهل التصرف بحكمة لوجود طفل صغير، فإذا كانت ردة فعل الأبوين هستيرية سينعكس عليه سلباً، والعكس، وبالنهاية يفترض التسليم بقضاء الله، فلن يصيبنا إلا ما كتبه“.

وبرباطة جأش الأمهات وقت المصائب تصرفت السيدة الأربعينية رنا زيتون أم لثلاثة أطفال عند حدوث الزلزال، حيث أكدت أنها رغم عيشها في منطقة بستان القصر العشوائية لم تخف عكس زوجها وأولادها، فهول الكارثة جعلتهم ينزلون فوراً إلى الشارع، لكن أبنتها الصغيرة بتول المصابة بمتلازمة دوان تعرضت إلى نوبة خوف شديدة وبقيت على مدار ستة أشهر تعاني عند سماع أي صوت مرتفع، لكن تدريجيا تخلصت من هذه الحالة بالحنان والاهتمام وخاصة بعد الانتقال من مراكز الإيواء إلى بيت بالإيجار

الأطفال عاشوا تجربة مؤلمة وما زالوا يتعافون من آثار الصدمة
الأطفال عاشوا تجربة مؤلمة وما زالوا يتعافون من آثار الصدمة

صدمة كبيرة 

تتشابه الأمهات في ردات فعلهن لحماية أبنائهن وقت الكوارث، فكيف إذا كانت هذه الأم مسؤولية عن مئات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تؤكد فاطمة بابللي المديرة التنفيذية لجمعية الرجاء أن تعاملها مع ابنها المصاب بمتلازمة داون طبقته على الأطفال المسؤولة عنهم في الجمعية، فأبنها محمد شعر برعب شديد لحظة وقوع الزلزال أثر على نفسيته لفترة شهر تقريباً، ليرفض في البداية التجاوب مع أحد والنوم في سريره بعد الرجوع إلى المنزل، لذا بقي ينام في غرفة ثانية لفترة طويلة لكن بعد فترة تأقلم مع الواقع الجديد وعاد إلى غرفته وحياته الطبيعية ورجع يمارس هواياته المعتادة وخاصة السباحة الذي هو بطل فيها.

وتشدد بابللي أنها بناء على خبرتها في التعامل مع ابنها ومعرفة ردات فعله تصرفت مع أولاد الجمعية وغيرهم من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وقت الكارثة، التي أثرت على نفسيتهم بعد تعرضهم إلى صدمة كبيرة، جعلتهم يرفضون مقابلة أي شخص أخر ويفضلون البقاء مع أهاليهم،  لكن نتيجة تضرر البيوت جلسوا كبقية أهالي حلب في مراكز الإيواء، فكان من واجب الجمعية تقديم الدعم النفسي لهؤلاء الأطفال عبر إرسال أنسات متخصصات سواء ضمن أنشطة الجمعية أو خارجها، وتقديم أنشطة ترفيهية مع أخذهم في جولات إلى قلعة حلب والحديقة العامة مع تأمين كل احتياجاتهم وأهاليهم علماً أن الأمانة السورية للتنمية واتحاد الجمعيات الخيرية لم يبخلا في تقديم الدعم اللازم، لكن كان لازماً على الجمعية مساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم للتأكيد أنهم ليس مهمشين ومنسين في هذه الكارثة. 

ما زال الدمار شاهدا على مأساة مئات العائلات التي فقد بيتها

دمار نفسي 

واجه المعوقين جسدياً صعوبات كثيرة وصلت حد فقدان الحياة أثناء الزلزالين، حيث تبين علياء جديد رئيس جمعية “المستقبل” للمعوقين جسدياً في حلب لـ”إرادة” تعرض ذوي الاحتياجات الخاصة إلى ظروف صعبة جداً وصلت حد نومهم في الشوارع مع فقد بعضهم معيناتهم الحركية، ما عرضهم إلى دمار نفسي كامل، وبناء على هذا الواقع الصعب تحولت الجمعية إلى نظام الطوارئ وعدم الاقتصار على المنتسبين إلى الجمعية، فنزل الكادر إلى الشوارع وقدم معينات حركية وحفاضات وأغذية وأدوية“.

وتضيف: كما تعرض ذوي الاحتياجات الخاصة إلى ظروف قاسية بعد نقلهم إلى مراكز الإيواء غير المجهزة لاستقبالهم، لكن عمل قدر الإمكان إلى تأمين احتياجاتهم وتم التمكن من تحقيق نوع من الاستقرار في نفسياتهم، لكن زلزال 20 شباط أعادنا إلى نقطة الصفر.

وتؤكد رئيس جمعية المستقبل إلى التواصل المباشر مع حالات صعبة تتطلب رعاية كاملة كالشلل النصفي والدماغي وتقديم ما تحتاجه في البيوت من معينات حركية أو قثاطر أو جمع بول وغيرها، إضافة إلى تقديم جلسات دعم نفسية لذوي الاحتياجات الخاصة وتحديداً المعوقين جسدياً وذويهم بدعم كامل من اتحاد الجمعيات الخيرية، مع الاستمرار في تقديم المعينات والحفاضات والأدوية والعلاج الفيزيائي للمنتسبين إلى الجمعية والحالات التي تأتي إليها لحد الآن.  

ما زالت مئات العائلات تعيش في الملاجئ الجماعية

كارثة حقيقية 

تعرض ذوي الاحتياجات الخاصة إلى ظروف قاهرة عند وقوع زلزال حلب المدمر أرجعته الناشطة المدنية مريانا حنش إلى عدم جهوزية مراكز الإيواء لمثل هذه الكوارث، ليتم لاحقاً تدارك الأمر عبر وضعهم في الطوابق الأرضية مراعاة لأوضاعهم مع تقديم الاحتياجات المطلوبة كل حسب حالاته، مشيرة إلى بذل الجمعيات جهوداً كبيرة في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث أنشأ صندوق مشترك لكل الجمعيات لتأمين احتياجات المتضررين كاستئجار بيوت لهم وتقديم ما يحتاجونه، من دون نكران قيام جمعيات بدور أكبر من غيرها كجمعية المستقبل والوقاية من العمى.

وتشدد حنش على أنه بعد مرور عام على الزلزال هناك كارثة حقيقية تنتظر المتضررين من ذوي الاحتياجات الخاصة وخاصة أن عقود الإيجار قد انتهت والبعض لا يملك أي شيء يعينه، بالتالي يصعب عليه تأمين أدويته وغذائه في ظل ظروف معيشية صعبة، ما يفترض تأمين مخارج جديدة لتجنب الكارثة والبحث عن سبل لإعانة المتضررين، وهذا برأيها يتطلب دعم حكومي بالتعاون مع الجمعيات التي تعاني من نقص كبير في مواردها.