مادلين جليس
“نحنُ أحياء، ما زلنا نتألم، نحن شعبٌ يريدُ الحياة بحرية، ولأننا نريد حريّتنا والسلام لشعبنا ووطننا، فلا بد من أن نعيد على مسامع العالم كلّه قصصنا منذ البداية”.
بهذه الكلمات عبّر المخرج والمسرحي والممثل والمصوّر الضوئي غطفان غنوم عن أهمية عرض أفلام السينما والوثائقيات التي أنتجت في زمن الثورة السورية، والتي حاربت نظام الأسد بالفن والثقافة، بالصوت والصورة والموسيقى.
سينما الحرية
على الرغم من أن عرض الأفلام السينمائية لم يتوقف يوماً في سوريا، إلا أن الأفلام التي حملت توجهات مؤيدة للثورة، أو معارضة للاستبداد الأسدي، كانت ممنوعة من الوصول إلى جمهورها، وكانت تعرض سراً بين عدد محدود من الأصدقاء الموثوقين. وكان مجرد حضورها قد يؤدي إلى الاعتقال والملاحقة الأمنية.
“تظاهرة سينما الحرية” واحدة من المبادرات التي بدأت نشاطاتها منذ سقوط الأسد، والتي أطلقها ملتقى نادي جرمانا الثقافي الذي عرض حتى الآن ستة عشر فيلماً منها من تناول العوالم النفسية للناجين من المعتقلات كما في فيلم “تشيخوف”، قصف الغوطة كما في فلم الكهف، حصار حلب كما في فيلم “إلى سما” ، صراع الإخوة والهويات القاتل كما في فيلم المشهد الأخير، وعن النزوح والفقد والاعتراف كما في ثلاثية ياسر قصاب. رافق عرض هذه الأفلام جلسات حوار ونقاشات مع مخرجي هذه الأعمال ومع أبطالها الحقيقيين.
يرى ناصر منذر مدير ملتقى جرمانا الثقافي أن فكرة تأسيس النادي هدفت بالدرجة الأولى لخلق فسحة ثقافية مع تكريس الطرح السياسي المنضوي تحت الغطاء الثقافي.
لكن النقاشات التي كانت تُطرح والآراء التي كانت تناقش بعد انتهاء عرض الأفلام، كانت برأيه أكثر تأثيراً من المتوقع وأكثر دهشة من الأفلام نفسها في بعض الأحيان، خاصة عندما كان الحضور ممن شهدوا ما عانته المناطق الثائرة، وعاشوا الحصار الأمني والتجويع والقصف. من هذه الامثلة عندما تم عرض فيلم عن حصار مخيم اليرموك وحضر بعض ممن عايشوا هذه المحنة المرعبة وحكوا تجربتهم وكيف شهدوا وفاة ١٨١ شخصاً منهم أطفال وشيوخ من الجوع وقلة الطعام والدواء في المخيم.
ويضيف ناصر منذر أن هذه النقاشات الآن اتخذت طابعاً علنياً بعد أن كانت تغلف بالسرية، خوفاً من الرقابة والملاحقات الأمنية والسجن، فأصبحت اليوم تشكل مساحة للتواصل بين السوريين، وكسر الحواجز بين مختلف الفئات، ليفتح الحاضرون قلوبهم ويسردوا قصصهم بلسانهم على الملأ، كما تسرد الأفلام قصصهم بالصوت والصورة.
يقول منذر: خلال السنوات الماضية كان يتم عرض الأفلام في مقر خاص بنا مع رفضنا العمل مع مؤسسات الدولة التي كان من غير الممكن ومن المستحيل أن تعطي تصريحاً وموافقات على عرض هذه الأفلام بسبب الرقابة الأمنية.
لكن بعد السقوط أحسسنا أن هذه مؤسساتنا، ولذلك تم التواصل مع المركز الثقافي في جرمانا، وتم العرض الأول بحضور أكثر من ١٢٠ شخصاً، مع تزايد العدد باستمرار.
ويشير منذر إلى أهمية أن يفرض هذا النشاط الثقافي المدني وجوده ضمن الفضاء العام، فقد كان النظام ومخابراته ومؤسساته تقدم نتاجاً رثاً، إضافة إلى أنه نتاج مراقب وموجه ومؤدلج إلى حد كبير.
اليوم الباب أصبح مفتوحاً لكل السوريين كي يرفعوا الصوت عالياً، وبحسب ناصر منذر فإن هذا المبادرات إثبات وجود ومواطنة وإثبات فاعلية ثقافية واجتماعية، إضافة إلى دورها في ردم الهوة بين السوريين وكسر الحواجز الفكرية التي أنشأها النظام بينهم وإزالة الغباشة التي وضعها على أعين الناس الموجودين ضمن مناطق سيطرته والذين تفاجؤوا بكمية الإجرام والوحشية التي مارسها هذا النظام والتي عرضت الأفلام جزءاً صغيراً منها.
يؤكد منذر أن تظاهرة سينما الحرية لن تتوقف عند هذا الحد، ولن تنتظر من السوريين أن يأتوا إليها في مقرها في جرمانا، بل ستذهب هي بنفسها إليهم، وستعرض أفلامها في مخيم اليرموك والتضامن والغوطة ودوما وغيرها من المناطق المحررة، خاصة أن سكان هذه المناطق لايزالون يعانون من ظروف معيشية واقتصادية صعبة.
عدالة انتقالية
تشير سلمى الصياد مديرة ملتقى نيسان الثقافي إلى الأهمية الفنية لهذه الأفلام من خلال رصد مرحلة تاريخية معينة، يجب أن يُسلط الضوء عليها، وعلى المحن التي مر بها منتجو هذه الأفلام وصناعها في تلك الفترة الصعبة التي كانت محفوفة بالمخاطر، وموصوفة بالتقييد وقمع الحريات بالأقوال والأفعال.
الآن فإن الحرية والخروج إلى العلن هو حق هذه الأفلام الوثائقية كما تؤكد الصياد، والتي تعتبرها شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية، من خلال تسليط الضوء على الظلم والآلام والإقصاء من خلال أفلام حية توثق لمرحلة غنية ومعقدة، وهو أيضاً شكل من أشكال رصد وكشف انتهاكات النظام المجرم.
وتضيف: لا ننسى أن عرض هذه الأفلام جاء ليؤدي هدفاً كبيراً، وهو ألا يكون الظلم معروفاً ومعترفا به لدى الفئات المتضررة فقط، بل أن يعرفه الجميع ويعرفون مدى المأساة التي عاشها البعض في حين لم يكن غيره يرى إلا دعاية سياسية تشوه الواقع وتسجن الناس في هويات ضيقة تجعلها لا ترى أو تعترف بالثمن الذي يدفعه أبناء الوطن نفسه.

الحراك السينمائي
من الأندية السينمائية التي تقدم عروضاً أسبوعية صالون دمشق السينمائي الذي أطلق تظاهرة الأفلام القصيرة خلال شهر آذار، وسينما بناء التي تستضيف عروضاً أسبوعية ذات طابع سياسي. في حلب قدمت كراسي كوليكتف تظاهرة سينما بلا حدود، وكذلك شهدت المراكز الثقافية في حمص وإدلب وطرطوس عرض بعض هذه الأفلام السورية العائدة إلى الوطن كما المهجرين العائدين إلى بيوتهم.
منذ ثلاثة أشهر والسينما تغلي في المدن السورية، ففي كل أسبوع هناك عروض لثلاثة أو أربعة أفلام، الجزء الأكبر منها هي أفلام وثائقية، تجاوزت الأفلام الروائية وقدّمت وثائق بصرية وشهادات حية عن سنوات الحرب والثورة وما رافقها من مجازر وحصار وقصف وفقدان ونزوح ولجوء. يبدو كأن هناك جوعاً للصورة المغيبة وشوقاً أكبر للنقاش المسكوت عنه والذي كان محرماً، ولذا نجد جلسات الحوار الجماعية بعد الأفلام غنية وحساسة ومتنوعة وموجعة، تحاكي مشاعر الفقد والصدمة وترسم صوراً لمدن وشوارع مدمرة ومنهكة، كأن الناس ترغب بقول الكثير، الكثير… وكأن كل هذه الأفلام ما زالت أقصر بكثير من الشريط السينمائي الطويل لمآسي السوريين والذي ما زال يسجل مآسي جديدة.