انتقلت ميساء وأطفالها الثلاثة إلى مخيم النزوح في معرة مصرين في أعقاب زلزال 20 شباط. تم تدمير منزلهم بالكامل. توفي زوجها وأحد أبنائها نتيجة إصابتهم بعدة أيام، وما زال ابنتها منيرة في مشفى شفق التخصصي تكافح للبقاء على قيد الحياة. تعيش مريم وعائلتها الآن في مخيم لجوء مؤقت مع عشرات العائلات الأخرى في مخيم تم تجهيزه من قبل الصندوق الإنساني عابر الحدود التابع لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. لا يوجد لدى ميساء أي يقين عن ماذا سيحدث في اليوم التالي. لا تعلم كم ستعيش في المخيم. لا تعرف إذا كان أحد سيساعدها لبناء بيتها المهدم في حارم. ليست متأكدة أن الطعام سيبقى متوفراً. وليس لديها أي فكرة كيف ستعيل أبناءها. لكن أكثر ما يقلق ميساء هو الماء.
انتشرت الشائعات والمخاوف بسرعة بعد الإعلان عن وفاة شخصين نتيجة الكوليرا الأسبوع الماضي في المنطقة. الناس قلقة من الأخبار الواردة من المراكز الصحية أن عدد الحالات المشتبه بها قد عاد للتصاعد بعد الزلزال. والجميع يعلم أنها الماء.
تقول ميساء إن الأعداد الكبيرة في الملاجئ تجبر العائلات على استخدام المياه الملوثة للغسيل أو الاضطرار لاستعمال المراحيض غير الآمنة وحتى أننا غير متأكدين من نظافة المياه التي نشربها.

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن حالات الإصابة في سورية مرتبطة بتفشي المرض الذي بدأ في حزيران الماضي في أفغانستان، ثم انتشر إلى باكستان وإيران والعراق ثم سورية ولبنان. تنتشر الكوليرا عادةً من خلال المياه أو الطعام أو الصرف الصحي الملوث. يُمكن أن تسبب الإسهال الشديد والجفاف، ويمكن أن تقتل إذا تُركت دون علاج.
عندما جاءت الضربة الأولى من الكوليرا إلى سورية كانت عبثية بشكل غريب، فقد جاءت إلى جغرافية بدت كأنها قضت عشر سنين في استعداداتها لاحتضانها، فقد كانت البنية التحتية للمياه بما فيها الخزانات وشبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ قد تدمرت بالفعل نتيجة عقد من الحرب والقصف. فيما عقدين من الجفاف والتغير المناخي الحاد قد تركا مستويات المياه في نهر سورية الرئيسي، نهر الفرات، منخفضة بشكل مخيف. ثم جاء الزلزال ليقضي على ما تبقى من مصادر للمياه النظيفة.
منذ أيلول 2022 حتى شباط 2023، تم الإبلاغ عن أكثر من تسعين ألف حالة يشتبه بإصابتها بالكوليرا في جميع المحافظات، بما في ذلك حوالي مئة حالة وفاة مرتبطة بها (21 حالة مثبتة)،
قبل أن يأتي الزلزال المدوي، جاء الجفاف بصمت
منذ آب الماضي، ونتيجة لموسم الجفاف وقلة المياه الصالحة للشرب، تفاقم تفشي الكوليرا حتى وصل إلى جميع المحافظات الـ 14 التي أنهكتها الحرب، ولم يكن مصادفة أن أكثر المناطق التي دمرتها سنوات الصراع، كانت أكثر المناطق التي انتشرت فيها الكوليرا: إدلب (30٪) حلب (23.9٪) دير الزور (22.3٪) الرقة (19٪).
وجاءت الصدمات المناخية بعد الصدمات البشرية لتؤثر على الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه. لم تؤد مواسم الأمطار الشحيحة وظروف الجفاف القاسية إلى جانب انخفاض مستويات المياه في نهر الفرات، إلى قلة المياه الصالحة للشرب فحسب، بل تسببت أيضًا في زيادة معدل الأمراض التي تنقلها المياه ومعدلات سوء التغذية.
حتى تاريخ ما قبل الزلزال كان قد تم الإبلاغ عن أكثر من تسعين ألف حالة يشتبه بإصابتها بالكوليرا في جميع المحافظات، بما في ذلك حوالي مئة حالة وفاة مرتبطة بها (21 حالة مثبتة)، وذلك وفقًا لتقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية ووكالة الطفولة التابعة للأمم المتحدة (اليونيسف). لكن، بشكل عام، كان منحنى الإصابة قد استقام، وكان عدد حالات الإصابة المؤكدة المبلغ عنها قد انخفض. إلا أن الزلزال أيقظ المرض ليضرب من جديد.

الزلزال ذهب وبقي الرعب
بعد الزلزال، عادت المخاوف من ارتفاع حالات الكوليرا مجدداً في وقت ما تزال المراكز الصحية تتحمل أعباء فوق طاقة استيعابها، وقد انتقلت أولوياتها العلاجية بالضرورة إلى معالجة الإصابات الناتجة عن الزلزال والآثار الصحية التي خلفها في بلد منكوب أصلاً بكل شيء بشراً وحجراً… وحتى “الماء”.. حتى “الروح”.
وقدرت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها أن أعداد الإصابات قد ازداد بمعدل 2% في المناطق المتضررة من الزلزال حيث أدى التدمير الإضافي في البنية التحتية وخزانات المياه وخطوط الصرف الصحي إلى زيادة احتمالية تفشي الأمراض المنقولة بالمياه بما في ذلك الكوليرا خاصة في الأماكن المزدحمة كالملاجئ.
في ردها على أسئلة إرادة، قال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن الزلزال المدمر كان له تأثير كبير على عمليات الاستجابة للكوليرا. فقد “أثر على الوصول إلى الخدمات، وقلل من قدرة الشركاء، وحوّل اتجاه الأموال المحدودة المتاحة بالفعل، كما أثر سلباً على الصحة العقلية للقوى العاملة”. وأضاف المكتب أن هناك عدداً من المخاطر التي قد تؤدي لتفاقم المرض، حيث “يعيش آلاف الأشخاص حالياً في ملاجئ جماعية مكتظة، والعديد منهم لا يحصلون على ما يكفي من المياه الصالحة للشرب أو أنهم موجودون في أماكن لا توفر الوصول إلى الصرف الصحي الآمن أو تفتقد لتدابير النظافة الشخصية والتعقيم. يُضاف إلى ذلك التعطيل المؤقت لأنظمة مراقبة الأمراض المعدية وقدرات المختبرات في المناطق المتضررة، إضافة للضغط على جميع المرافق الصحية التي توقف جزء منها خاصة في شمال غرب سورية”.
حسب الإحصاءات المتوفرة، تضرر ما مجموعه 171 مرفقاً صحياً (54 في اللاذقية، و48 في حماة، و14 في حلب، و55 في شمال غرب سورية)، بما في ذلك ما لا يقل عن سبعة مستشفيات. كما اضطرت 15 منشأة صحية إلى تعليق عملياتها.
أشباح الصيف القادم
من المتوقع أن يؤدي موسم الأمطار السيىء إلى تفاقم نقص المياه في الصيف القادم بسبب ظروف الجفاف غير العادية خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يتسبب به تغير المناخ مما يؤدي إلى زيادة التبخر من التربة وخزانات المياه والأنهار. وكان أحد أسباب انتشار الكوليرا الصيف الماضي هو الحر الشديد وانخفاض مستوى الأنهار التي ترمى بها مياه المجاري، ونتيجة لعدم جريان الماء تصبح مرتعاً للأمراض ومن ثم تسقى بها المحاصيل التي لم تسقها الأمطار، وهكذا في دائرة كاملة من البؤس يزيدها غياب الدولة والمؤسسات المعنية عن وضع الحلول الاستراتيجية.
ومع التهديم الإضافي الذي قام به الزلزال على شبكات المياه، سيتأثر وصول مزيد من القرى والمدن إلى مياه الشرب الآمنة ومياه الري. وفقاً لتقييم خرائط المياه 2022، فإن نسبة 3 في المئة من جميع المجتمعات المأهولة بالسكان في سورية لا تتمتع بإمكانية الوصول الكافي إلى مصدر المياه الأساسي. وما يقدر بنحو 6.9 مليون شخص لا يتمكنون من الوصول إلى مصادر المياه النقية إلا بين 2-7 أيام في الشهر.
وقال منظمة الصحة العالمية أنها تعمل لضمان توفير المياه والصرف الصحي بشكل أفضل في شمال غرب سورية، مع 1,7 مليون جرعة من لقاحات الكوليرا التي تؤخذ عن طريق الفم، والتي يخططون لتوفيرها للمجموعات الأكثر ضعفاً خلال شهر آذار 2023.