خليل سرحيل
شاشة متذبذبة، مشاهد تتنقل بين زمنين مشوهين، وشخصية ترتجف رغم ثبات ملامحها. يطمس مسلسل “عقد إلحاق” الخطوط الفاصلة بين الواقع والوهم، ويترك المشاهدين يتساءلون عما هو حقيقي وما هو مجرد خيالات من أوهام البطلة. عالم تتلاشى فيه الحقيقة، أو تنكشف بما يزيد عن المعدل الواقعي، ترقص الظلال على جدران اللاوعي، ويصبح الخط الفاصل بين العقل والجنون رفيعًا.

يبدو مسلسل “عقد إلحاق”، أنه يختص بقضية مجهولي النسب في سورية، عبر ريما (دانا مارديني) الطفلة التي عاشت تجارب في دور الأيتام، وهي التجارب التي نعرف نحن السوريين أنها حقيقية وواقعية. ريما التي تعيش صراعًا مع حقيقتها، مع نكساتها التي خلقت لديها ما يبدو أنه ألم نفسي لا يحتمل وضرر لا يمكن ترميمه، وهو ما ولد لديها مزيجاً من الأمراض النفسية التي تحملها بكل ثقلها وبنفس الوقت تحميها من واقع لا تستطيع فهمه أو التأقلم معه.
أدت دانا مارديني الدور بصورة ممتازة، حيث كانت لغة الجسد والتعبير توحي بمكامن الضرر النفسي. ونكتشف أثناء علاقتها بمهيار خضور (جاد) هموم سورية الكثيرة، مثل الهجرة والموت والفساد وتهريب الآثار. كل هذه القضايا تكبر وتتنامى داخل رأس ريما. أما مهيار خضور، المصور الوثائقي الذي يسعى لإخراج فيلم عن الهجرة بسبب الحرب، فيخوض صراعًا آخر مع جهات لم تكن واضحة في المسلسل، وهو بحالة صد ورد مع ريما ومع محيطه.
الأحداث تتنقل بين الماضي والحاضر، حيث نرى ريما الطفلة تُنفى من مكان لآخر، أو بالأحرى من مأساة لمأساة. تتخلى عنها أمها الحقيقية، ثم تتخلى عنها عائلتها البديلة، تهرب من دار الأيتام، يموت صديقها الوحيد في حادث صادم، تتعرض للاغتصاب وهي طفلة ولا تستطيع إخبار الشرطة. يأتي الحاضر محملاً بالماضي الثقيل لنرى ريمة في بيت دافئ، لكنه مأزوم بدوره، بيت سمر سامي (عصمت) التي تبنت ريما، مسنة تعاني من الزهايمر. وربما كان التشخيص بالزهايمر هو إيعاز البداية لأمراض ريما النفسية. شابة تعيش بعد طفولة بائسة مع الأم الوحيدة التي لم تتخل عنها لكنها بدأت بنسيانها، ولهذا ربما، تخلق ريما عالمًا آخر ملأته بالشخصيات والمؤامرات والضحايا. عالم تملكه الجريمة والشك والغدر، تزوير وجرائم قتل وأصوات متصارعة داخل الأحداث المتتالية، أو داخل العقل الباطن. أحياناً، لا فرق بين الخطرين. فالخارج بالنسبة لها عدو ولا يمكن التنبؤ بأي فعل فيه أو تصرف للناس الحقيقيين، كلهم مشاريع أحبة يمكنهم التخلي عنها وتركها، كما تركوها سابقاً مراراً وتكراراً.
يبدو المسلسل في الحلقة الأولى والثانية بطيئًا ولا يقدم الأجوبة، لكن المتعة البصرية وحركة الكاميرا واستخدام الموسيقى التصويرية عوامل توحي للمشاهد بأن القادم أسرع وبه عبرة. وتبدأ الحلقات بالتصاعد في الأحداث عند الحلقة العاشرة، وتبدأ الإجابات بالظهور. ويدخل بها الممثل كفاح الخوص بدور الطبيب النفسي الذي يقدم للمشاهد الشرح عن الأمراض النفسية مثل الذُّهان والفصام.
تدخل الشخصيات المتخيلة من رأس ريما إلى رأس المشاهد على أنها شخصيات حقيقية، لكنه سيبدأ بالتخلي عنها مع ريما، بل حتى يتمكن منه شعور الكراهية تجاه هذه الشخصيات وما سببته من ضرر لريما. وما أن ينتهي المسلسل حتى نبدأ التساؤل عن تصوراتنا الخاصة، فهمنا للنفس البشرية، وتعقيدات العقل.
المسلسل، هو العمل الأول للمخرج الشاب ورد حيدر. مخرج متمكن من أدواته، وملتزم بسرد الحكاية بشكل بصري مع حركة الكاميرا تبدو قلقة منذ البداية، ومشاهد تم تصوير معظمها بشكل متحرك لتعكس عقلاً غير هادئ وواقعاً مضطرباً.

والآن نسأل: هل المسلسل حمل همومنا ونقل واقعنا؟ بالطبع، فقد رأينا عبر سنوات الحرب عبر هواتفنا حالات تمشي وهي عارية ومفصومة عن الواقع ويبدو أن الضرر واضح على الحالة النفسية، ولا تزال تتكرر من فترة لأخرى، نساء ورجال. والحقيقة أننا نعاني كسوريين على صعيد الصحة النفسية كمرضى وخدمات.
المسلسل من إنتاج شركة بينتالنس وقد عرض على منصة مدفوعة. شارك في كتابة السيناريو ورشة من ستة كتاب شباب، وتم الاستعانة بمختص نفسي لضمان الناحية العلمية، ومن بطولة مهيار خضور ودانا مارديني وحسن عويتي وصباح الجزائري وسمر سامي. كما ضمَّ خريجين شباباً وأطفالاً للتمثيل، والموسيقى التصويرية كانت لآري جان.
العمل من 12 حلقة وليس 30 كما هو معروف عن المسلسلات، دخل في سوق المنصات بعد ازدياد التنافس بينها وبين القنوات التلفزيونية. تم قرصنة المسلسل وعرض على تلغرام، وحقق شعبيته بعد التسريب.

مجهولو النسب، لطالما كانت هذه القضية معضلة في سورية، ولكن في سنوات الحرب تضاعفت الأعداد بشكل مرعب. وأصبح في محافظة مثل حلب أكثر من 20 ألف طفل من مجهولي النسب. كل هذا ولا توجد إحصائية للعدد، لا لمجهولي النسب ولا للمتسربين من المدارس ولا في أي قضية أخرى. متروكين في الواقع لا في المسلسلات، للبرد والجوع والتعنيف.
مسلسل “عقد إلحاق” هو مسلسل شبابي يشير إلى قضايا تحتاج إلى الحل ولا تهرب إلى رغبات الجمهور أو سوق الترفيه. مسلسل ذكرنا بالمهاجرين، وذكرنا بالأيتام، وأخبرنا أنه من الطبيعي أن يصاب الإنسان بالمرض النفسي، والأهم من ذلك شجعنا للحديث عنه.