الإرادة

مخاوف صحية غير قابلة للتأجيل بعد الزلزال

تقرير خاص

أعطت طفلة اسمها شام “نفساً” لملايين السوريين حول العالم الذين شاهدوها تخرج بعد أربعين ساعة من تحت أنقاض منزلها في ريف إدلب. ارتووا بلحظة أمل عندما طلبت شام عبوة ماء، وحلقت الأرواح عندما غنت شام “يا شام”. عندما طلبت أن تغمض عينيها لتنام قليلاً كي لا تتألم، أغمضوا عيونهم معها كي يزيحوا ثقلاً من الذنب والعجز يربض على القلوب من لحظة الزلزال.

لكن بعد أيام، جاءت صورة شام من جديد، لتذكر الجميع أن التركة ثقيلة جداً وأن مقياس الألم السوري ليس له حد أعلى على ما يبدو. الطفلة شام في العناية الفائقة تواجه خطر بتر ساقيها بعد إصابتها على غرار كثير من الناجين بمتلازمة هرس الأطراف

وثقت المنظمات والسلطات حتى يوم الأحد الماضي 44 ألف قتيل جراء الزلزال القوي الذي دمر جنوب شرق تركيا وشمال سورية. وفيما تضاءلت فرص العثور على أي ناجين جدد إلى حدود صفرية تقريباً، هناك حقائق أكثر قسوة بدأت بالظهور. فمن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بشكل كبير في الأيام المقبلة. ويمثل التحدي اليوم هو إبقاء أولئك الذين نجوا من الكارثة الأولية على قيد الحياة، وحصولهم على رعاية صحية سريعة وكافية في الأسابيع والأشهر القادمة.

في الأسابيع المقبلة، مع تحول جهود فرق الإنقاذ إلى المهمة القاتمة المتمثلة في سحب الجثث، أمام الفرق الطبية مهمة صعبة أخرى حيث سيحتاج آلاف الناجين إلى رعاية عاجلة:

بعد العدد الأولي للوفيات، تحدث ذروة الوفيات الثانية بعد أيام، عندما يستسلم المصابون بإصابات خطيرة، مثل تمزقات الكبد أو الطحال، وكسور الحوض، والأورام الدموية لإصاباتهم. تأتي الذروة الثالثة في غضون أسابيع بعد الزلزال، حيث يموت الأشخاص المصابون بالإنتان وفشل الأعضاء المتعددة من إصاباتهم. المسنون الذين تركوا أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكري والربو تحت الأنقاض. النساء الحوامل التي ستلد في الملاجئ والمخيمات، مرضى السرطان الذين بقوا دون علاج، ذوو الإعاقة الذين فقدوا من يرعاهم.

الناس تنتظر خروج أحبتها من تحت الأنقاض

حذرت منظمة الصحة العالمية بالفعل من أزمة صحية كارثية إذا لم يتم التحرك بسرعة وقال روبرت هولدن، مدير حوادث الاستجابة للزلازل في منظمة الصحة: “نحن في خطر حقيقي من رؤية كارثة ثانوية، والتي قد تسبب ضررًا لعدد أكبر من الناس من الكارثة الأولية إذا لم نتحرك بنفس الوتيرة والشدة كما نفعل في البحث والإنقاذ”.

التهابات الجروح

حتى الآن فإن معظم الوفيات في الزلزال السوري ناجمة عن الإصابات المباشرة نتيجة انهيار المباني، بالإضافة إلى آثار استنشاق كميات كبيرة من الغبار والحطام.

في الأيام والأسابيع القادمة، تتركز المخاوف في أن تتلوث الجروح بالبكتيريا الموجودة في التربة والأنقاض. في بعض الحالات، يمكن أن يؤدي هذا إلى البتر، أو تعفن الدم الذي يهدد الحياة، أو الكزاز (وهو مرض تسببه بكتيريا تعيش في التربة. يمكن منعه من خلال التطعيم). تشير التقارير الواردة من شمال سورية أن الوصول إلى الغلوبولين المناعي للكزاز، وهو دواء يحتوي على أجسام مضادة تمنع سم الكزاز من إتلاف الأعصاب، محدود نتيجة الأضرار التي لحقت بالطرق والبنية التحتية الطبية. كما أن الوضع الطبي كان بالأصل هشاً ومن المرجح أن حالات التحصين السابقة كانت محدودة في ريف حلب وإدلب.

كما يمكن أن يعاني حوالي 2 ٪ إلى 15 ٪ من الناجين من متلازمة الهرس نتيجة إصابات من الأحمال الثقيلة التي تسحق أجسادهم. هذا يمكن أن يؤدي إلى مشاكل وفشل في الكلى، وفي الحالات الشديدة حتى البتر. حوالي نصف ضحايا السحق سيصابون بالفشل الكلوي. وتتراوح حصيلة الوفيات بين المصابين بالفشل الكلوي في ظروف الزلزال من 14٪ إلى 18٪.

إنه وضع مروع. لا يمكنك فعل كل ما تريد القيام به إنه وضع مرهق عقليًا وأخلاقيًا. قال توماس كيرش، أستاذ طب الطوارئ في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة جورج واشنطن، عن التحديات القادمة للعاملين في المجال الطبي بعد الزلزال

الأمراض المعدية

تخلق الزلازل الكبيرة ظروفًا مثالية لانتشار الأمراض المعدية. تحذر منظمات صحية من انتشار الأمراض التي تنقلها المياه مثل التهاب الكبد الوبائي والكوليرا بسبب الأضرار التي لحقت بأنابيب المياه ومحطات معالجة المياه. كان الشمال السوري بالأخص يكافح بالفعل تفشي الكوليرا، حيث تم الإبلاغ عن ما يقرب من 15000 حالة منذ آب الماضي وتسجيل 70 حالة وفاة.

كما سيسبب الاكتظاظ في الملاجئ في انتشار أمراض أخرى كالحصبة وأمراض الجهاز التنفسي بما فيها الكوفيد. كما أن درجات الحرارة المتجمدة تعني أن الناجين في الملاجئ المجمدة يواجهون انخفاض حرارة الجسم أو قضمة الصقيع..

كما أن داء الليشمانيات المستوطن في العديد من دول شرق البحر الأبيض المتوسط بما فيها سوريا يمثل تحدي إضافي. وداء الليشمانيات عدوى طفيلية تنتشر عن طريق ذباب الرمل، وتنتشر في المناطق المزدحمة وغير النظيفة. يأتي في شكلين رئيسيين: داء الليشمانيات الجلدي، الذي يسبب تقرحات ويمكن أن يؤدي إلى ندوب طويلة الأمد وإعاقة خطيرة، وداء الليشمانيات الحشوي، الذي يمكن أن يكون قاتلاً إذا تُرك دون علاج.

كما سيسهم التأخير في البحث عن الجثث تحت الأنقاض في زيادة فرص تفشي الأمراض. ويمكن أن تؤدي ظروف البرد القارس وسوء التغذية والضغط النفسي المستمر إلى تفاقم الأمور عن طريق قمع أجهزة المناعة لدى الناجين.

الركام

الأمراض المزمنة

يعتبر الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل مرض السكري أو أمراض القلب معرضين أيضًا لخطر متزايد بعد الزلزال. فإلى جانب صعوبة وصولهم إلى الأدوية والرعاية الطبية اللازمة، وجدت الأبحاث زيادة معدلات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية من الشهر الأول إلى ما يصل إلى ثلاث سنوات بعد الزلزال. كما تم تسجيل معدلات أعلى للإصابة بمرض السكري بين الأفراد المتضررين من الزلزال.

النساء الحوامل من الفئات الضعيفة الأخرى. وفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، هناك ما يقدر بنحو 148 ألف امرأة حامل في المناطق المتضررة من الزلزال في سوريا، ومن المتوقع أن تلد 37 ألف منهن في الأشهر الثلاثة المقبلة، قد تعاني الألاف منهن من مضاعفات تتطلب عناية طارئة.

قالت المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، الدكتورة ناتاليا كانيم، “في خضم كل الدمار في سورية وتركيا، يجب أن تكون النساء والفتيات المتضررات من الزلازل قادرات على الحصول على رعاية صحية جنسية وإنجابية عند الحاجة إليها”. “هذه الخدمات تنقذ الأرواح ويجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من الاستجابة”.