إعداد: محمد مستو
في شوارع الزبداني، حيث كانت أولى صرخات الحرية تتردد في سماء سوريا، كان محمود صالح، من أوائل الرجال الذين ساندوا الحراك السلمي في بداياته، مؤمناً بعدالة القضية وداعياً للكرامة والحرية. كانت درعا شرارة الثورة، وحين امتدت إلى المدن السورية، كان أبو صالح حاضرًا، مدافعًا عن حق شعبه في حياة كريمة.
لكن هذه المواقف لم تكن بلا ثمن، فسرعان ما بات هدفاً للملاحقة الأمنية. عندما اجتاحت قوات النظام الزبداني، بحثاً عن الثوار، لم يكن أمامه سوى الجبال ليحتمي بها. كانت رحلة الهروب قاسية، وفي إحدى الليالي العاصفة، بينما كان يتنقل في وعورة الجبال، زلّت قدمه وسقط من ارتفاع شاهق، لينتهي به الأمر بجسد منهك وعمود فقري محطم. كسور الفقرات التي أصابته لم تترك له فرصة للنهوض مجدداً، ليبدأ فصل جديد من معاناته وهو على سرير المشفى.
حتى في المشفى، لم يكن الألم الأكبر كامناً في عظامه المهشمة، بل في العيون التي راقبته والتدقيق الأمني المستمر عليه. كل خطوة، كل زائر، كل دواء كان يمر بعيون رجال الأمن، الذين لم ينسوا اسمه ولا موقفه. أدرك أبو صالح أن البقاء يعني النهاية، فكان لا بد من الهروب مجدداً، لكن هذه المرة إلى خارج الوطن.
وصل إلى لبنان محملاً بوجع الوطن وجسد عاجز عن الحركة. هناك، بدأت معاناة أخرى لم تكن في الحسبان؛ حياة اللجوء بكل تفاصيلها القاسية، بين غربة موحشة، وعجز يمنعه من العمل، وأمل ضئيل في العودة يوماً إلى سوريا التي حلم بها.
واليوم، بعد سقوط النظام، يعود أبو صالح إلى مدينته، لكنه لم يعد كما خرج. يعود على كرسي متحرك، بينما الزبداني التي تركها عامرة بالحياة تحولت إلى ركام. منزله لم يعد قائماً، أصبح مجرد أرض منبسطة، كأنما لم يكن يوماً. يتجول بين الأطلال متذكراً الأيام التي كان فيها يركض في هذه الشوارع بحرية، متمنياً لو استطاع أن يعيد الزمن إلى الوراء.
ورغم كل شيء، لا يزال الأمل حياً في قلبه. يتمنى أن تأخذ الجهات المعنية بعين الاعتبار وضعه، ووضع كل من خسروا بيوتهم وأعمالهم وصحتهم في سبيل الثورة.
يحلم أن يعاد إعمار منزله، أن يستعيد جزءاً من حياته، أن تعود الزبداني كما كانت، مأوى للأحرار ومدينة تنبض بالحياة.