الإرادة

محكومون بالمرض قبل أن يولدوا… أطفال زواج الأقارب: هذا ما جناه “أهلي” عليّ

مادلين جليس
تحاول منى أن تكون قوية أثناء حديثها عن أبنائها الاثنين الذين ولدا مصابان بالضمور الدماغي وعلى الرغم من عدم اعترافها بذلك صراحة، إلا أنها لا تخفِ ندمها على خطوة الزواج التي أقدمت عليها مع زوجها “ابن خالها” الذي أحبته منذ الطفولة، على الرغم من تحذيرات الأصدقاء بعدم تكرار تجربة والديها، ونصائح أمها بألا تعيش ماعاشته.
لمنى أخت فارقت الحياة قبل عشرة أعوام، حياة التي لم تتم الستة عشر ربيعاً، ماتت بعد أن عانى والداها مادياً ومعنوياً، طوال خمسة عشر عاماً في سبيل علاجها من مرضها دون جدوى.
تزوجت منى على أمل ألا ترزق بأطفال من ذوي الإعاقة، لكن التجربة العائلية تكررت، والتحدي الصعب عاد في صورة صبيين يعاني كلٌ منهما من الضمور الدماغي. تخبئ دموعها خلف أصابعها وهي تتحدث عن رحلة الكفاح والعذاب التي بدأت منذ خمسة أعوام، والتي تتمنى أن تنتهي بمعجزة إلهية تكفل لها ألا تعيش ابنتها تجربة أختها حياة.
قصة منى واحدة من آلاف القصص المماثلة في سوريا، فالأعراف والتقاليد التي لاتزال حتى هذه اللحظة متحكمة في مصائر أبناء العائلة الواحدة، مع بقائها ملزمة وممهمورة بحكم عائلي غيابي “فلانة لفلان”، لاتقبل الطعن في تنفيذها ضاربة عرض الحائط بأي اعتبارات صحية أو طبية.

بالأرقام

يمكن قراءة واقع بيانات الإعاقة في سورية وعلاقتها بزواج الأقارب من خلال نتائج المسح الديموغرافي الاجتماعي المتكامل المتعدد الأغراض لعام 2018 الذي يظهر علاقة لا لبس فيها بين انتشار الإعاقة وبين زواج الأقارب. تبلغ نسبة زواج الأقارب 30% في سوريا وهي مرتفعة جداً خاصة في المحافظات الشرقية والشمالية فمثلاً تصل النسبة إلى 47% في إدلب وكذلك الحسكة بحوالي 44%، تليها حلب 39% ومن ثم ريف دمشق بنسبة 30٪. ليكون زواج الأقارب حسب كثير من الخبراء السبب الثاني للإعاقة بعد الحرب. وتصل نسبة السوريين من ذوي الإعاقة إلى ربع عدد السكان، وتصل إلى واحد من كل ثلاث أشخاص في المنطقية الشرقية والشمالية والتي كانت هي أيضاً الحامل الأكبر لتبعات عشر سنوات من العنف والتدمير.

 

إنّ نسبة ذوي الإعاقة في المجتمع السوري مرتفعة للغاية، تعتبر الحرب المسبب الأول للإعاقة يليها زواج الأقارب.


التحدي الأول.. المرض

حسب بعض الدراسات العلمية، فإن زواج الأقارب يورث أكثر من 82 مرضا، مثل الإجهاض المتكرر، والإعاقات المتعددة، والتلاسيميا، وفقر الدم المنجلي، وأشار المجلس العلمي لاختصاص التوليد وأمراض النساء في سوريا، إلى أنه من 60 إلى 70 بالمئة من الإعاقات في سوريا ناتجة عن زواج الأقارب. وذلك بحسب ما أكده الدكتور رفائيل عطا الله رئيس المجلس العلمي لاختصاص التوليد وأمراض النساء. ويعتبر مرض التلاسيميا واحد من اشد الأمثلة وضوحاً على ما قد يؤدي له زواج الأقارب، فوفقا لآخر إحصائية فقد بلغ عدد مرضى “فقر الدم المنجلي والتلاسيميا” الذين يتلقون علاج نقل الدم على امتداد سوريا 5800 مريض. في الوقت نفسه، لا يوجد إحصائيات تبيّن العدد الحقيقي لحَملة التلاسيميا أو كما يُعرف بـ”الحامل الصامت” الذي لا يظهر إلا عند الفحص. فالمريض يبدو سليما ظاهريا، أما فعليا فقد يكون حاملا للمرض، ولا يتم ملاحظة أي مشكلة لديه، إلا عند زواجه من إحدى قريباته الحاملة للمرض، وعندها ستكون النتيجة 25 بالمئة، من الأولاد مصابين و25 سليمين، و50 بالمئة، حاملين للمرض كأبويهما، وبالتالي ظهور المشكلة ذاتها عند هؤلاء الأطفال مستقبلا عند زواجهم من إحدى قريباتهم. وبين عطا الله أن أمراض زواج الأقارب لا تقتصر فقط على مرضي التلاسيميا والمنجلي على خطورتهما، إذا أن هناك آلاف الأمراض الوراثية الجسمية المتنحية التي تنشأ بسبب هذا الزواج والتي تزيد احتمال إصابة الأطفال بالشلل الدماغي والتخلف العقلي، والعمى والتشوهات الحركية وغيرها.

الألم.. التحدي اليومي

“بالنسبة للطفل المريض سيعيش حياة صعبة وقد تكون مؤلمة، بهذه العبارة وصف الدكتور عطا الله حال الطفل المريض لسبب زواج الأقارب، خاصة أن بعض هذه الأمراض تسبب الموت في فترة المراهقة، وبعد معاناة كبيرة مع المرض، يضاف لذلك معاناة أهله المادية والمعنوية، والأموال الهائلة التي ترصد لهذه المراكز من قبل الدولة.

بحسب عطا الله، ونستطيع أن نجزم أن نقص السمع ونقص الرؤية منشأهما الأول في سورية زواج الأقارب، وعلى الرغم من المراكز الكثيرة الموجودة للكشف عن نقص السمع، ومعالجة أمراض العيون إلا أن ذلك يعتبر معالجة مابعد الإصابة، لكن الحقيقة والواقع يفرضان أن نبدأ من منشأ هذه الأمراض والإعاقات، ونقتلع المشكلة من جذورها.

تحاليل ناقصة

وحول كل مايُروّج له أن تحاليل ماقبل الزواج قد تؤكد جازمةً حدوث إعاقة من عدمها فهو كلام عارٍ عن الصحة، فهذه التحاليل كما يشرح الدكتور عطا الله تسمى “رحلان الخضاب” وهي مخصصة للكشف عن مرضي التلاسيميا والمنجلي، لكن بالمقابل لدينا آلاف الأمراض التي لاتظهر في هذه التحاليل، والتي من الممكن الكشف عنها من خلال “التحاليل الجينية” التي يندر أن يقوم بها الأزواج لصعوبتها، وكلفتها العالية جداً، لكن ذلك لا ينفي إيجابية هذه التحاليل في التخفيف من الأمراض الوراثية عند تحذير الزوجين بخطورة ما يقدمان عليه، حيث أن أغلبية الأمراض الوراثية ناتجة عن صفات متنحية، وهو ما يجعل نسبة الأمراض الوراثية تزيد مع زواج الأقارب. فالمريض يبدو سليما ظاهريا، أما فعليا فقد يكون حاملا للمرض، ولا يتم ملاحظة أي مشكلة لديه، إلا عند زواجه من إحدى قريباته الحاملة للمرض، وعندها ستكون النتيجة 25 بالمئة، من الأولاد مصابين و25 سليمين، و50 بالمئة، حاملين للمرض كأبويهما، وبالتالي ظهور المشكلة ذاتها عند هؤلاء الأطفال مستقبلا عند زواجهم من إحدى قريباتهم. وقد نشرت سابقاً إحصائيات تشير إلى أن”بين 2500 إضبارة مؤرشفة في العيادة الوحيدة المتخصصة بالأمراض الوراثية في دمشق هناك أكثر من 85 % منهم نتاج زواج أقارب، وأكثر الأمراض شيوعا هي أمراض الدم الوراثية كالتلاسيميا ونقص البروتين سي ومرض “غوشيه” والعديد من الأمراض الاستقلابية والعصبية والعضلية والأمراض المسببة للتأخر العقلي أو الدراسي، اضافة الى أمراض الغدد والنمو والتشوهات الخلقي.

“فخ” الصحة الظاهرية

إن احتمالية إصابة طفل مولود حديثاً بأحد الأمراض الوراثية، وإعاقته، لا يعني حتماً أن يكون الوالدين مريضين ظاهرياً، كما يرى الدكتور محمد علي عجلوني رئيس وحدة مخبر الوراثة في مستشفى الأطفال فقد يتوافق أن يكون الزوجين سليمين ظاهرياً، لكن بزواجهما يظهر المرض على الطفل.

ومن الممكن كما يؤكد عجلوني ألا يظهر المرض الوراثي على الطفل منذ لحظة الولادة، فقد يظهر بعد أيام أو أشهر أو حتى سنوات، وقد يحدث أن يصل الإنسان إلى عمر العشرين أو الثلاثين حتى يظهر المرض عليه ومثال على ذلك مرض “هنتنغتون” وهو مرض نفسي يظهر بعد عمر الثلاثين فما فوق، يعاني مريضه من التراجع العقلي والكآبة وتراجع القدرة الحركية وصعوبة اللفظ، وكل هذه الأعراض قد تكون طبيعية عند هذا الشخص لكن بعد سن معين تبدأ بالتراجع بشكل سريع وملحوظ.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة على نوع الأمراض الوراثية التي تحدث بسبب زواج الأقارب، لكن المتفق كما يقول عجلوني عليه هو الأمراض المتنحية عندما يكون الوالدين حملة للطفرة، وهو ما يزيد نسبة التشوهات الخلقية التي تصيب عدة أجهزة “التشوهات المتعددة” و” التشوهات الأحادية”

عموماً، كل الأمراض الاستقلابية تسبب إعاقة ذهنيةلكن وجسدية وتشوهات وٱفات القلب الخلقية إضافة إلى التشوهات الكلوية الهيكلية وأمراض الكبد والأمراض العصبية وأمراض الجهاز المركزي العصبي.

الجغرافيا كما العقول.. مغلقة

يوجد نوع جديد من زواج الأقارب لكنه يأتي بشكل آخر، وهو مانجده بكثره المناطق الجغرافية المغلقة التي ينحصر الزواج فيها من أبناء المنطقة والأرض الواحدة، وهو ما يسمى بالزواج المغلق.

لكن الخطورة الأكبر بحسب عجلوني هي في زواج الاقارب المتكرر، أي على عدة أجيال فاحتمال إنجاب أطفال معاقين يتجاوز فيه النسب المعتادة، أي يصل إلى 50%، وقد يصل أحياناً إلى 100% أي أن يولد كل الاطفال مشوهين أو معاقين، إضافة إلى حالات الوفاة المبكرة. و تنتشر ظاهرة زواج الأقارب في المجتمعات الريفية أكثر منها في المدن، بهدف الحفاظ على الأرض والإرث، ما يعني أنها أسبابها اقتصادية، إضافة لأسباب اجتماعية، كالعادات والتقاليد التي تحظر زواج الفتاة من غير ابن عمها أو قريبها، والزواج المبكر الذي غالبا ما يتم في العائلة الواحدة.

 

ثمن نفسي

الباحثة الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان رأت أن ماينطوي على زواج الأقارب له جانب اجتماعي خطير من حيث الفعل أي الزواج وماينتج عنه من آثار سلبية على الأسرتين وعلى العائلة وعلى الطفل من ذوي الإعاقة بشكل خاص.

وتؤكد شعبان أن أكثر من 20% من حالات الطلاق تعود لوجود طفل من ذوي الإعاقة في العائلة وبالتالي ينشأ الطفل ولديه إحساس بالنقص عن غيره من الأطفال بسبب إعاقته، إضافة إلى عدم تقبله من قبل المجتمع المحيط به سواء من أهل أمه أو من أهل والده، وفوق كل ذلك شعوره بالعبء الكبير الذي يشكّله على عائلته مادياً ومعنويا خاصة في حالة وجود أهل لا يمتلكون الوعي الكافي لدعم هذا الطفل معنوياً وعدم إيصال معاناتهم إليه وتصديره على أنه السبب في هذه المعاناة.

كل ذلك نستطع أن نضيف له ما يمكن ان يحدث ضمن العائلة من مشكلات تحميل المسؤولية من قبل أحد الأطراف للطرف للثاني، تنتهي بالطلاق الذي يعود أيضاً بتأثيره الأكبر على الطفل من ذوي الإعاقة الذي سيحرم من أحد والديه، مع تقصير الثاني بسبب عدم إمكانيته على حمل العبء لوحده مادياً أو معنوياً.

ولا ننسى أن الإعاقة بحاجة احتواء اجتماعي مركّز، وكما تؤكد شعبان فإن الوعي الكافي لقبول الإعاقة غائب نهائياً عن مجتمعاتنا تضاف له النظرة الدونية في أحيان كثيرة للشخص من ذوي الإعاقة، وهو مايمكن أن يُحدث نفور كامل ضمن العائلة وبالتالي ضمن الأسرة الواحدة في حال وجود زواج أقارب.