مادلين جليس
لم تكن تحاليل ما قبل الزواج ملزمة في أيامنا، ولم يكن لنا أي علم بالأمراض التي قد تنشأ جراء زواج الأقارب... تحاول أحلام ألا تبكي وهي تتحدث عن ابنتها الكبرى “فرح” التي لم تأخذ نصيبها من اسمها على حد وصفها.ولدت فرح مصابة بمرض ” التلاسيميا”. وبعد عدة مرات من التشخيص بإصابتها بفقر دم عام، كانت الرضيعة تزداد شحوباً وضعفاً، وعيناها تذبلان حتى يكاد لونهما العسلي يبدو أصفر، وعظام وجهها الرقيق تصبح أخشن؛ مما جعل والديها يعيدان إجراء التحاليل والفحوصات أكثر من مرة للتأكد من ماهية مرضها، “لم أصدق بادئ الأمر، ظننت أن التشخيص خاطئ كما في كلّ مرة، وفي الحقيقة، تمنيت أن يكون خاطئاً هذه المرة على الأقل، لكنه لم يكن كذلك، ومن حينها بدأت رحلة من العلاج المؤلمة لنا ولها”. وتحتاج فرح ككثيرين من مرضى التلاسيميا علاجاً مدى الحياة بنقل الدم مرتين في الشهر أي حوالي عشرين وحدة دم سنوياً.
لم تتمالك أحلام نفسها، وعبّرت عن ندمها على الزواج بابن خالتها، الذي اكتشفت فيما بعد أنه حامل للتلاسيميا مثلها، كما أنها أصبحت خائفة من الإنجاب مرة أخرى حتى لا تفجع بمرض ولد ثان، بعد أن تمكنت من إنجاب طفلة سليمة تصغر فرح بثلاث سنوات.
أحلام وزوجها حاملان صامتان للمرض، فالأشخاص الذين لديهم جين واحد فقط من الهيموغلوبين المُتضرر لا يُواجهون أعراضاً مزمنة لمرض التلاسيميا. لكن في بعض الحالات، يكون الأهل متأكدين من إصابة أطفالهم بالمرض لأنه اضطراب وراثي ويكونون هم أنفسهم أو أقاربهم الآخرون مصابين به.
@

"أخوة" في المرض
يُقال يخلق من الشبه أربعين أما في حالة فرح، وباقي مرضى التلاسيميا، فكل عام يولد في سورية مئتا طفل لديهم نفس المرض، ونفس الأعراض، والمعاناة المتشابهة ذاتها، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف علاج مريض التلاسيميا بشكل كبير جداً.
ووفقا لآخر إحصائيات وزارة الصحة فقد بلغ عدد مرضى “التلاسيميا” الذين يتلقون علاج نقل الدم 5830 مريضاً وتحتل محافظة دمشق المرتبة الأولى من حيث عدد المصابين بالمرض تليها محافظة حلب.
في الوقت نفسه، لا يوجد إحصائيات تبيّن العدد الحقيقي لحَملة التلاسيميا في سورية أو كما يُعرف بـ”الحامل الصامت” الذي لا يظهر إلا عند الفحص. فالمريض يبدو سليماً ظاهرياً، أما فعلياً فقد يكون حاملاً للمرض، ولا يتم ملاحظة أي مشكلة لديه، إلا عند زواجه من إحدى قريباته الحاملة للمرض، وعندها ستكون النتيجة 25 بالمئة، من الأولاد مصابين و25 سليمين، و50 بالمئة، حاملين للمرض كأبويهما، وبالتالي ظهور المشكلة ذاتها عند هؤلاء الأطفال مستقبلاً عند زواجهم من إحدى قريباتهم.
الجينات جزء من الميراث الثقيل
يتذكر منير، وهو مهندس زراعي، أن أول مرة سمع بمرض التلاسيميا كانت في مسلسل حكم الهوى عندما أخذ الطبيب يشرح للعاشقين القادمين لاستلام نتائج فحص الزواج أنهما حاملان صامتان لنوع ألفا المتوسطة للمرض، وهذا يعني أنهما لن يستطيعا الإنجاب معاً لأن الجنين سيموت في الرحم. لم أعتقد أني سأمر بنفس الموقف، الفرق أني كنت حاملاً للتلاسيميا نوع بيتا، وهذا يعني أني مع خطيبتي نستطيع إنجاب الأطفال لكن نسبة منهم قد تكون مصابة بالمرض بشكله المعتدل غالباً، والذي يعالج دوائياً، ولكن مدى الحياة. لذا كان قراري أصعب واضطررت أن أواجه عائلتي وعائلتها وكثيراً من الأصدقاء والأقارب الذين رأوا بقراري فسخ الخطبة قراراً ظالماً وقاسياً، وكانت أكثر جملتين سمعتهما “ليش ما تتكل على الله”، “وشو ما إجا من الله منيح”.
وحتى الآن لا توجد استراتيجية واضحة لوقف تمدد التلاسيميا في سورية لأن استمرار الزواج بين حامليها يعني انتشارها بشكل أكبر. وتم تشكيل اللجنة الوطنية للقضاء على التلاسيميا التي اقترحت إيجاد طريقة لردع الزواج بين حاملي المرض من خلال وضع بعض القوانين اللازمة وعدم تكفل الدولة بعلاج المصابين إذا كان الزواج خيارهم رغم معرفة المخاطر، وفيما تبدو بعض هذه المقترحات مجحفة وتتعارض مع حق حصول الإنسان على الرعاية الطبية بمختلف الظروف، يرى البعض أن قراراً بمنع زواج الأقارب صار ضرورياً. وحسب المسح الديموغرافي الاجتماعي المتكامل المتعدد الأغراض لعام 2018، ظهرت علاقة لا لبس فيها بين انتشار الإعاقة وبين زواج الأقارب. وتبلغ نسبة زواج الأقارب 30% في سورية وهي مرتفعة جداً خاصة في المحافظات الشرقية والشمالية، فمثلاً تصل النسبة إلى 47% في إدلب وفي الحسكة إلى حوالي 44%، تليها حلب 39% ومن ثم ريف دمشق بنسبة تصل إلى 30٪. ليكون زواج الأقارب حسب كثير من الخبراء السبب الثاني للإعاقة بعد الحرب.
ماهي " التلاسيميا"
التلاسيميا اضطراب وراثي في الدم يسببه تغيير في الجينات اللازمة لإنتاج الهيموغلوبين والذي بدوره يُمكن خلايا الدم الحمراء من حمل الأوكسجين إلى كافة أعضاء الجسم. لذا تسبب التلاسيميا في حالاتها الخفيفة فقر الدم؛ ولكن تتطلب الأشكال الأكثر حدة عمليات نقل دم منتظمة، ويمكن أن تسبب موت الأجنة أو الاضطرار لنقل نقي العظام. ويؤدي عدم توفير العلاج إلى تقلص العمر المتوقع للمرضى بشكل كبير.
كلما زاد عدد الجينات المتغيرة، زادت شدة المرض. في تلاسيميا ألفا، تعتمد شدة التلاسيميا على عدد الطفرات الجينية التي ورثتها من الأهل. وكلما زادت الجينات الطافرة، زادت شدة التلاسيميا. في تلاسيميا بيتا، تعتمد شدة التلاسيميا على الموقع الذي تأثر بالطفرة في جزيء الهيموغلوبين.
يؤثر مرض التلاسيميا على دول في الشرق الأوسط، مثل لبنان وسورية، إذ أن كلمة التلاسيميا مشتقة من كلمة التلاسا في اليونانية والتي تعني البحر.

مرض مزمن ومعقد
فرت عائلة أحمد من ريف دمشق أثناء اشتداد القتال، لكنها لم تستطع الفرار من المرض المزمن الذي يلاحق أفراد العائلة. تنظر منى إلى ابنها أحمد شاحب الوجه ذي البطن المنتفخ، تتحدث عن مرضه وهي تمسح جبينه برفق: “عدا عن مرضه بالتلاسيميا، اكتشفنا إصابته بمرض السكري، وفيما بعد شرح لنا الأطباء أن مرض السكري قد يترافق مع التلاسيميا إضافة إلى عدة أعراض وأمراض أخرى كالفشل القلبي والفشل الكلوي، وغيرها من الحالات التي سمعنا عنها أثناء رحلة علاج أحمد”. ولا تنسى منى أن تذكّرنا أن عمر ابنها سبعة عشر عاماً، وتأخر نموه الواضح إضافة إلى بكائه المستمر وشحوبه، كل ذلك عائد لإصابته بالتلاسيميا. ويساعد نقل الدم أحمد إذ يرفع عدد الكريات الحمراء الصحية في جسمه، ولكن ذلك ليس كافياً لإنقاذه لأنه يحمل ثلاث طفرات جينية من نوع بيتا، وسيحتاج إلى عملية نقل نخاع عظم إن عاجلاً أم آجلاً، وهذا يبدو مستحيلاً في ظروف العائلة الحالية. تشرح الأم عن العلاج ـ المعجزة المستحيلة ـ كما تصفها: “أخبرنا الأطباء أن هذا المرض له علاج شاف تماماً، وهو إجراء عملية زرع نقي العظم، إلا أنه مكلف جداً، ويحتاج إجراؤه للسفر إلى لخارج، وهذا أيضاً مكلف جداً”.
يصاحب مرض التلاسيميا عدة أمراض أخرى منها السكري وتأخر البلوغ وفشل النمو والتعرض لأخطار نقل الدم والفشل القلبي والكلوي ومضاعفات صحية قاتلة، بحسب مدير الأمراض السارية والمزمنة في وزارة الصحة الدكتور زهير السهوي، الذي يؤكد أن ذلك يسبب إرهاقا كبيراً للطفل وعائلته.
وبحسب السهوي فإن التلاسيميا الكبرى تكتشف في أعمار مبكرة (غالباً 6 أشهر) أما التلاسيميا الوسطى فيتأخر التشخيص غالبا حتى السنة الثانية من العمر، بينما لا تكتشف التلاسيميا الصغرى إلا مصادفة بإجراء بعض التحاليل الدموية، ويتراوح وسطي أعمار المرضى بين 25 و35 عاماً وأغلب المرضى يتوفون من نتائج الاختلاطات القلبية.

معاناة كبيرة وخيارات قليلة
لا تتوقف تعقيدات التلاسيميا على مرض غزا جسد طفل واستقر فيه مطالباً بأدوية ومسّكنات ورحلات أسبوعية إلى المشافي، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، كتأمين التكاليف اللازمة للعلاج، التي تصل إلى حدود 9 ملايين ليرة سورية سنوياً، “أحياناً كثيرة نمنع عن أنفسنا الطعام لنتمكن من توفير ثمن كيس أو فلتر الدم”.
يأخذ توفيق نفساً عميقاً بداخله ألم لا يختبئ، ويضيف: “كل يوم أتساءل كيف سأتمكن من تأمين ثمنه في اليوم التالي، ومع ذلك فإنني أحاول العمل ليل نهار كي لا أفقد ابنتي بسبب عدم توفير تكاليف العلاج”. توفيق والد إحدى المريضات، على الرغم من تعبه الواضح، إلا أنه يحاول أن يحافظ على ثباته كي لا يخسر دوره في الحصول على كيس الدم وفلتر الدم اللذين يتجاوز سعرهما الـ 70 ألف ليرة”.
وبحسب تصريحات حكومية فإن نفقات مرضى التلاسيميا تصل لنحو 52 مليار ليرة، وتتوزع هذه النفقات على توفير العلاج الذي يعتمد على الأدوية كالديفيراسيروكس كخط علاج أول، ومن ثم نقل الدم الدائم حيث تصل كلفة كيس الدم الواحد اليوم إلى 25 ألف ليرة سورية وفلتر الدم إلى 45 ألف ليرة سورية والتحليل الواحد إلى أكثر من مليون ومئة ألف ليرة سورية، وصولاً إلى خالبات الحديد حيث تحدث هناك تعقيدات في عمليات نقل الدم المتكررة، إذ يمكن أن تسبب زيادة في مستويات الحديد، والذي يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب أو الكبد. وهذا هو السبب في أن مرضى التلاسيميا يحتاجون إلى عوامل استخلاب الحديد اللازمة لخفض مستويات الحديد في الجسم، وبعضهم لا يستجيب لهذا العلاج مما يؤدي لإصابته بأمراض الكبد.
وبالنسبة لكثير من المرضى فإن المعاناة الأكبر تتشكل في انتظار الدور للحصول على أكياس الدم، أو إجراء التحاليل لمعرفة الاستجابة للدواء من عدمها. وخلال سنوات الحرب، فقدت هذه الأكياس أو تأخر صرف الدواء كثير من المرات.
مسؤولية جماعية
وانطلاقاً من أن مرض التلاسيميا ناجم عن زواج الأقارب، وحاملي المرض فقط، يؤكد مدير الأمراض السارية على دور عيادات الزواج التي تقوم بإجراء تحاليل ما قبل الزواج للتأكيد على عدم زواج حاملي المرض من بعضهم، مع تشديده على أهمية إجراء فحوصات ما قبل الزواج للأشخاص المقبلين على الخطبة والزواج.
إضافة إلى إجراء المسح للأشخاص الذين يعانون من وجود مرض تلاسيميا في العائلة، ووجوب العمل على التبرع بالدم لصالح مرضى التلاسيميا.
ويطالب السهوي أن يتم العمل على الجوانب الاجتماعية والدينية للحد من هذا المرض من خلال وقف حالات زواج الأقارب ممن تثبت تحاليلهم الطبية قبل الزواج وجود زمر معينة في الدم تؤدي إلى مرض التلاسيميا.
مطالباً أن تكون هناك مبادرات وفتاوى تساهم في وضع حد نهائي لهذا المرض الذي يتسبب بخسائر بشرية كبيرة، وآلام عميقة للأسر التي يولد لديها طفل مصاب بهذا المرض.
فرح لا تنتظر علاجاً فقط، بل تتمنى ألا تسمع بولادة إخوة جدد لها في مصابين بالمرض نفسه، وتنتظر كما آلاف الحالات غيرها أن يأتي يوم يتراجع موقع سورية كواحدة من الدول الحاضنة لهذا المرض بين جينات شعبها.