الإرادة

ليلة سقوط الساقط

عبد الكريم عمرين

منذ بدء حملة ردع العدوان التي قادتها هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى، لم أكترث للخبر. فمنذ أكثر من عشر سنوات يتناهى إلينا نحن الذين بقينا في مناطق النظام، كما يقولون، تتناهى إلينا بين فترة وأخرى أخبار عديدة عن قتال ينشب هنا وهناك بين هذه الفصائل المسلحة المعارضة وبين قوات النظام أو قواته الرديفة. وأحياناً تشتعل اشتباكات بين تلك الفصائل المسلحة المعارضة لأسبابها الخلاف على مناطق النفوذ، وأحياناً لأسباب شخصية بحتة. لم أكترث، فقد فقدت الأمل تماماً في أن يكون هناك أي تغيير، أو اتفاق، أو حل توفيقي، أو انتصار بسقوط النظام.

اللوحة للفنانة التشكيلية السورية ميريام سلامة

هذه السوداوية واللا أمل في شيء، وتبني فكرة العدمية، وصدأ الروح، وتموّت القلب، والجسد الذي بدأ يتعب وازدياد اشتعال الشيب في الرأس، وتدهور صحة فادي الجسدية والنفسية، فقد كثرت نوباته الاختلاجية، وكثيراً ما تطفح عيناه بالدموع وسؤال حارق يوجهه لي: “إيمتى بدو يسقط بشار بابا؟ طوّل كتير… اشتقت لأخواتي بدي شوفهم.”. هنا يزيد النبض عندي ويرتفع التوتر الشرياني، وأكبت غضباً لا تحمله الجبال، وألجأ إلى ما ينقذ فادي دائماً ويجعله سعيداً، ألجأ إلى المسرح.
يبدأ المشهد كالتالي: فادي وحيداً يدعو ربه أن تنتهي الحرب، أنا خارج الغرفة، أطرق الباب، فيرد فادي: “مين؟” لا أرد، بل أزيد طرق الباب وبشكل متواتر، بل بإيقاع محسوب كما إيقاع الدربكة أو الرق أو الدف في فرقة موسيقية. يعلو صوت فادي: “مين؟ اتفضل، الباب مفتوح.” فأفتح الباب، وأقلد أصوات أخواته بصراخ النصر والانعتاق: “نحنا إجينا.” وتبدأ حفلة عناق حار وقبلات لفادي من أخواته وإخوته: رادا وكندة وفواز وخلدون. ثم يأتي دور الأحفاد والحفيدات: سارة وجودي وصلاح وكرم، وزياد زوج رادا، وباري زوج كندة. فجأة يتوقف فادي عن الكلام ويصمت بانكسار ويقول لي مطرق الرأس: “بابا بدي يجوا أخواتي حقيقي مو تمثيل.” أقول له: “قريباً، تحررت حلب وهاهم الرجال قادمون لتحرير حماه.” يضم فادي يديه إلى صدره وبحركة جيبية متواترة بفرح عارم، “وإيمتى حمص؟” أجيبه: “ع الطريق بابا. ع الطريق.”
تتسارع أخبار التحرير، حتى يكاد المرء أن يذهب عقله غير مصدق ما يجري في البلاد. يتصل الأولاد كل لحظة، يستفسرون عن الأوضاع في حمص، هل دخل رجال التحرير إليها؟ هل هناك اشتباكات وتحرك ما لقوات النظام؟ وأجيب: “لا، فقط وزعوا حواجز إسمنتية في الكثير من الشوارع الرئيسية والفرعية المؤدية إليها.” ويلعلع الرصاص والمدفعية والدوشكا، كانت الأصوات قريبة جدًا، فإطلاقها من الكلية الحربية وكلية الشؤون الفنية ومناطق عسكرية أخرى وكلها في الوعر حيث نسكن، وحيث المشفى العسكري الضخم وبنك الدم.
الأخبار تتوالى: الروس يقصفون جسر الرستن الواصل بين حماة وحمص، لكن رجال التحرير وصلوا لتلبيسة القرية الوادعة الشمّاء والتي تبعد 7 كيلومتر عن حمص، ثم دخلوا قرية الدار الكبيرة التي تبعد عن الوعر كخط نظر حوالي 1 كيلومتر. الاشتباكات تزداد حدة وقوة ولا تهدأ، فيرتج البيت وينكمش فادي فألفه بحرام صوفي لعل البرد ينهزم من جسده وأطرافه. ويسألني بفرح: “شو بابا راح بشار؟”
حدث إشكال في تلبيسة ربما سوء فهم وتقدير بين رجال التحرير وشباب تلبيسة الذين هم في الأصل من ثوار الثورة في بداياتها، وهذا الإشكال أدى إلى تأخر تقدم قوات رجال التحرير ودخولهم إلى حمص. الغريب أن أهلنا وأصدقاءنا خارج البلاد يعرفون تفاصيل التحرير أكثر منا نحن الذين في الداخل السوري.
بدأ بكاء الفرح، بكاء الحنين لحرية افتقدناها لعقود طويلة، صار النصر على قاب قوسين أو أدنى، خصوصاً أن رجال التحرير بدؤوا بدخول دمشق قادمين من درعا، وبقيت حمص متأخرة عن النصر، ولحمص خصوصية معروفة بسبب التوزيع الديموغرافي والطائفي لسكانها، والكل لديه قناعة تامة، أن سقوط حمص يعني حتماً سقوط النظام. قوات الأسد انسحبت كيفياً، تركت أسلحتها الفردية في الشوارع، وبدلت ملابسها بأخرى مدنية خوفاً من القتل أو الاعتقال، زغردت دمشق بالنصر، بقيت حمص، بدأ القصف يشتد، وبدأت هجرة كثيفة إلى الساحل من قبل الإخوة في الطرف الآخر من المدينة، خوفاً من الانتقام ولحساسيات زرعها النظام البائد بين الأب والولد.
التلفون لا يهدأ، الأولاد والأحفاد، الأقرباء والأصدقاء في كل بقاع الأرض، على الواتس والماسنجر وعلى صفحات الفيس، اشتد القصف أكثر، واتخذت قراري، لن أخرج من بيتي هذه المرة مهما حصل، كنت أحسب الأسوأ، لأن موقع بيتي يجاور قرية من طائفة أخرى، كانت تقف مع النظام وحزب الشيطان، نعم لن أرحل، لقد ذقت طعم النزوح المر، لن أفعلها مرة ثانية، سأموت هنا، فادي وأنا سنموت معاً، الموت أرحم من النزوح.
فجأة توقف القصف، توقف تماماً، هدوء غريب لمدة ربع ساعة تقريبًا، ثم سمعت من بعيد التكبيرات: “الله أكبر.. الله أكبر.” سمعنا كثيرًا هذه التكبيرات في الحرب الملعونة ومعظمها كان الصوت فيها مبحوحًا وحزينًا، لكن هذه المرة.. لا… لاااااا هي تكبيرة فرح وبهجة.. ورن تلفوني من الماسنجر: كان صوت فايزة في الطرف الآخر في الاغتراب: “عبد الكريم شو طمني؟” صرنا نبكي فرحين بالنصر، فايزة الشاويش الصديقة الحنونة زوجة الصديق سعد الله ونوس، تريد أن تطمئن عليّ، وعلى فادي وحمص، تريد سماع كلمة: “نلنا الحرية نعم نلناها يا فوز.” ثم تحدثت مع ريم تركماني بنت حمص المناضلة العتيدة، وزاد البكاء والفرح، كان فادي يستمع بشغف، ودائماً يستمع فادي إلى محادثاتي فأنا أترك السبيكر مفتوح ليسمع فادي، ويشارك العالم من خلال الصوت وصار له أصدقاء بسبب ذلك، يحادثهم ويفرح لتواصله معهم. قالت فايزة: “وهي ديمة بنتي عم تبارك لك.” طلبت ديمة ونوس، تحدثت معها منفعلاً جدًا فرحًا باكيًا، فهي ابنة صديقي سعد الله، وعمرها قريب لعمر ابنتي رادا، من خلال بكائي وبصوت متهدج قلت لها: “تحررنا عمو ديمة، ما عاد نخاف من الخوف، وما عاد نخاف أصلاً.” وقد قصدت هذه العبارة مع ديمة، فقد قرأت روايتها الجميلة التي رصدت فيها الخوف من الخوف بحرفية روائية رائعة.
فارقنا النوم لأيام.. فرحنا هزم النوم البليد… قمت فتحت اللاب توب كتبت على صفحتي:
كنت أكتب هنا: أريد أن أبكي فرحاً وأسلم بعدها الروح.
وقد بكيت فرحاً حتى الاختناق
خذها يا رب وفاء للعهد.

عبد-الكريم-عمرين