الإرادة

لماذا تم إحراق البيوت؟ ليس مجرد دمار مادي، بل ذاكرةٌ محترقة

منصة إرادة

فيما تواجه تسجيل أعمال القتل الجماعي في السويداء صعوبات في التوثيق تتعلق بالظروف المحيطة بكل مجزرة والشهود عليها، تبدو أعمدة الدخان التي ما زال بعضها يتصاعد في قرى المحافظة أكثر وضوحاً في دلالتها لتمحي أي شكوك حول فظاعة الانتهاكات التي حدثت. فخلال المعارك الأخيرة التي اجتاحت بيوت وقرى ريف السويداء، لم يكن الحريق مجرد نتيجة جانبية للعنف، بل تحول إلى فعل مركزي له وظائف ودلالات واضحة.  لم يكتفِ المسلحون بالقتال، بل تعمدوا إشعال النيران، محرقين بيوتاً وأرزاقاً، وناقلين أوجاع الحرب إلى مستوى لا يمكن تبريره أو تصديقه. فما الذي يمكن أن يجيب على سؤال بسيط مثل لماذا يتم حرق بيوت الناس وما الفائدة العسكرية من هذا الدمار؟

 هذه الصور المفجعة التي نقلها زميلنا سالم الشاطر من هناك تُظهر حجم الكارثة، لكنها لا تروي القصة الكاملة.

تشير التقارير الأولية إلى تدمير شبه كامل لـ اثنتين وثلاثين قرية، وحرق مئات البيوت والعمارات في السويداء. في كفر اللحف ونجران وخلخلة والثعلة وسهوة بلاطة والقرى الغربية مثل لاهثة والمتونة، تم نهب البيوت قبل حرقها. سبعون في المئة من آبار المياه دُمِّرت، وكلية الزراعة والمعهد والثانوية الزراعية في المزرعة أصبحت سوداء. حتى رموز الاقتصاد المحلي لم تسلم: أكبر مطحنة حبوب وأكبر معصرة زيتون على طريق قرية ثعلة فجرت بعد تفكيك وسرقة معداتها، وعشرات المشاريع الزراعية في الريفين الغربي والشمالي أُبيدت. صيدليات ومستودعات أدوية أُحرقت عن عمد، كما حدث مع مستودع أنس للأدوية في السويداء، وكافة الصيدليات في قريتي المجدل ولبين.

تُسجّل الكاميرات صور البيوت المحترقة في السويداء والقرى المحيطة بها. لتنقل ليس فقط لقطات لخراب مادي، بل رسائل قاسية وواضحة. حرق البيوت يعني حرق الذاكرة الفردية والجماعية، وتدمير جذور الأمان، ونزع الإحساس بالاستقرار من قلوب أهالي السويداء بكافة أطيافهم.

الروائي ممدوح عزام وجه دعوة مفتوحة للمثقفين ووزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب لزيارة بيته المحترق مع آلاف الكتب واللوحات في السويداء، وهو بيت لا يستطيع هو أو إخوته الوصول إليه. الكاتبة هدى المحيثاوي وثقت حرق بيتها ومعه ذكريات طفولتها وأحلام أمها وتعب أبوها الذي بناه. الناشطة سلاف شيا كتبت تعليقاً على صور بيتها المحترق “برداً وسلاماً لذكرياتي الصغيرة، ذكريات طفولتي في بيت قريتي قراصة الي ما قدرت توثيق حرقه، وذكريات الشباب في بيت السويداء، خائفة تنمحي من ذاكرتي تفاصيلهن، خائفة أن أنسى بكل زاوية قصة عشتها أو جلسات عائلية مليانة ضحكات ودموع “.

فحرق بيت أحدهم هو حرق لقصص عائلته، وذكريات طفولته، وتاريخه كله. كل حجر محترق هو صفحة من كتاب العائلة، وكل بئر مُدمَّر هو فصل من قصة البقاء، وكل مشروع زراعي أُبيد هو إغلاق لدفتر رزق أجيال. إنها جريمة تستهدف ليس فقط الأرض والبيوت، بل القدرة على الحنين، على العودة، على استعادة ما كان.

في تجارب عدة من مناطق نزاع حول العالم، تم استخدام ما يُعرف بـ”رمزية الحريق” كتكتيك لهدفين رئيسيين: أولاً، تدمير الموارد التي قد يستفيد منها الخصم، سواء كانت مساكن أو أراضي زراعية أو بنى تحتية، مما يُضعف قدرة المجتمع على الصمود ويخلق نزوحًا قسريًا. وثانيًا، هو إرسال رسالة رادعة عبر زرع الرعب والإحباط في نفوس المدنيين، مما يضغط على الفصائل المحلية للتنازل أو الاستسلام، لكنها هنا تكتسب بعداً أكثر قسوة: إنها ليست حرباً على العدو الخارجي، بل على حياة الجيران والأصدقاء وذاكرتهم، بل على ذاكرة سوريا كلها، خاصة ذاكرة الثورة بكل قيمها والمبادئ التي انطلقت منها.

وصحيح أن الحرائق طالت بيوت الدروز والبدو لكن المأساة تتضاعف حينما تُشير التقارير إلى تورط عناصر من الأمن العام في هذه الأحداث، فبدلاً من أن يكونوا حماة للمواطنين، أصبحوا شركاء في تدميرهم.

هذه الصور المأساوية، ليست تسجيل لوقائع مؤسفة، أو أفعال عشوائية، بل شهادة على أن العنف حين يفلت من المساءلة، يتحول إلى مشروع دمار ليس للحجر، بل للهوية أيضاً.. ومثل كل مشاريع الدمار، سيبقى يئن في الذاكرة طويلاً، ما لم يواجه بالمحاسبة والعدالة والوقوف في وجه كل من يحول السلم الأهلي إلى رماد.