الإرادة

لحظة الرعب التي تتجدد كل عام: نتيجة البكالوريا

مياس سلمان

اللحظة الأكثر رعباً لعشرات آلاف الأسر السورية، كانت قبل أيام، 7/7/2024 الساعة العاشرة صباحاً، اللحظة التي تحدد من خلالها مصير الآلاف. الأعصاب مشدودة منذ أيام؛ وربما أشهر. دقات قلوب الأمهات وهمسات الجيران، ترقب الإخوة وأبناء العم والعمات وأبناء الأخوال والخالات والأقارب في الضيعة القريبة والأقارب المهاجرين في البلاد البعيدة. ربما تكون سورية قد شهدت خلال السنوات العشر الأخيرة، كثيراً من الأحداث المؤلمة والعنيفة؛ الحرب والرصاص وأصوات الطيران والزلازل وتهديم البيوت ونزوح الناس… لكن من يتخيل أن كل هذه المآسي لم تستطع أن تهز عرش البكالوريا… كما لم تستطع كل التعديلات أن تكسر القيد الحديدي لنظام العلامة الواحدة القادرة على تغيير مصير الإنسان.

الكابوس الذي نعرفه جميعاً

ليست مبالغة أن نقول إن معظم السوريين قد حلموا بنفس الكابوس الذي لا يأتي مرة واحدة بالعمر، بل يحافظ على زياراته الليلية، حتى فترة متأخرة من العمر. تحلم بأنك في فحص البكالوريا في تلك القاعة الضيقة “المشوبة” في شهر حزيران، ثم لا تعرف الجواب أو ينتهي الوقت وتدق صفارة إنذار أبدية، وقد يأتي المراقب وقد أصبح عملاقاً بيد حديدية تسحب ورقتك الامتحانية وأنت ترتجف فوقها. يصبح هذا الكابوس محدداٌ لتجاربك في الحياة، فتحلم به قبل امتحانات الجامعة، قبل لقائك المرتقب بالشخص الذي ستحب، قبل مقابلة العمل، وقبل مقابلة السفارة. هذا الكابوس الأبدي الذي يلخص بطريقة أو بأخرى علاقتك مع الفرص في هذه البلاد التي تحب الاختبارات والامتحانات والعلامات والمفاضلات في كل شيء.

عامٌ دراسي صنف بالسيئ جداً من قبل طلاب الثالث الثانوي والأهالي بما رافقه من لغط كبير وتجارب كثيرة من قبل الوزارة، التي صرحت في بداية العام بأن الأسئلة ستكون مؤتمتة لهذا العام ثم أعلنت العدول عن الفكرة قبل شهرين من الامتحانات العامة، مما أصاب الطلاب بكثير من التوتر والتشتت، وصولاً للامتحانات التي يتوافق معظم الأساتذة بأنها صعبة جداً وخاصة للفرع العلمي بعد أن تعود الجميع على أسئلة متوسطة الصعوبة أثناء سنوات الأزمة السابقة.

لحظة الرعب تمضي، لكن تأتي بعدها أيام من الحزن وربما الحداد. وباستثناء عدد قليل من الراضين عن علاماتهم ونتيجتهم، تجد معظم الأهالي والطلاب يضربون أخماسهم بأسداسهم، يجمعون ويطرحون ويتوقعون المعدلات ويجرون الحسابات ويفاضلون حسب ميزانياتهم على قرار الإعادة أو القبول بنتيجة المفاضلة أو تجربة فحص التكميلي، ومهما كان الأمر فالقرار تحدده علامة واحدة صعوداً أو هبوطاً في نتيجة المستقبل المأمول.

الشهادة التي تفتح أبواب السفارة

منذ سنوات كانت الأسر السورية تدفع ابنها للتفوق لأجل أن يصبح مهندساً أو طبيباً تتباهى به أمام المجتمع، أما اليوم فالطالب نفسه يملك من الوعي ما يدفعه للتفوق، واختيار  زجامعة تفتح له أبواب بلاد الاغتراب؛ فالطب مثلاً أصبح جواز سفر “ألماني” يغادر من خلاله هذه البلاد المتعبة التي لا تصلح للحياة.

قال لي أبٌ لأحد الطلاب: أخاف على مستقبل ولدي، أريد أن يتفوق، لا أريد له أن يبقى بهذه الأوضاع التعيسة يعيش بها كمن يسبح طوال عمره بمستنقع للوحل لا يستطيع الخروج منه، أخسره أنا ويكسب حياة جميلة يعيش بها بكرامة في الخارج، أفضل بكثير من بقائه هنا.

الشاب كميت، شاب هادئ وطموح، درس بكثافة في الثالث الثانوي الفرع العلمي، ولكن كانت صعوبة مادة الرياضيات اللكمة الأولى التي وجهتها له الحياة في طريق أحلامه، صدرت النتائج وكانت دموع الخيبة تملأ عينيه رغم أن علامته مئتان وثلاثة من أصل مئتين وأربعين. كميت يعلم أنه لو أكمل لن يحصل على علامة الطب، وأبوه من بيئة فقيرة لن يستطيع أن يرسله إلى الجامعات الخاصة، التي أصبح قسطها السنوي عشرات الملايين. عليه أن يدرس مكرهاً أحد فروع الهندسة التي لا مستقبل لها في هذه البلاد.

فالآلاف من خريجي الهندسة يعانون البطالة يبحثون عن عمل وعشرات الآلاف منهم، موظفون في الدولة براتب لا يتجاوز بحده الأقصى أربعمئة وخمسين ألفاً أي حوالي ثلاثين دولاراً ما يجعلهم تحت خط الفقر.

على منحى مواز رزان صبية من مدينة اللاذقية، كلفت والدها على مدار العام أجور دروس خصوصية أكثر من خمسة عشر مليون ليرة سورية، لتحصل على علامة /183/ من أصل مئتين وأربعين في الفرع العلمي، بسبب تدني مستوى التعليم في المدارس الحكومية على حد تعبيرها ليكون مستقبلها كما تتصور أن تدرس إحدى اللغات أو تدخل كلية الاقتصاد أو الحقوق حيث يوجد خريجون بالآلاف من الأفرع المذكورة في بلد لا يؤمن فرص عمل لربعهم فما الحل؟

وشجون أخرى مسكوت عنها

هذا بالنسبة للأشخاص الذين لا يعانون أي مشكلات صحية فما بالك بأشخاص من ذوي الإعاقة التي تواجههم الكثير من المشكلات، والعقبات الدراسية، والمجتمعية، والعملية.

(سالي سمير خدوج) فتاة نجحتْ ولم يحالفها الحظ بعيش لحظة نجاحها فقد فارقت الحياة باكراً، سالي التي عاشت بريف طرطوس، (قرية المجيدل) عانت من مشكلة في الغدة منذ الصغر ليصبح لديها خلل بالنمو وتصبح من (قصار القامة). سالي لم تصنف من أسرتها أو في قريتها بأنها من ذوي الإعاقة، ولم تحصل على بطاقة إعاقة، بل قيل عنها (فتاة مريضة)، درست بين أصدقائها وقدمت الامتحان في نفس المدرسة التي تبعد عن بيتها أقل من مئتي متر، ولكن للأسف فارقت الحياة بعد نهاية الامتحان بثلاثة أيام بشكل مفاجئ، لتصدر النتيجة ويعلن نجاحها في الفرع الأدبي من قبل أسرتها وفي صفحة القرية فتتجدد المأساة على الأسرة من جديد.

على الطرف الآخر في ريف القدموس، تعيش الطالبة لبنى محمد حيدر، لبنى تعاني من إعاقة بصرية، فبالرغم من  أنها تدرس في مدينة القدموس، ولكن كان عليها أن تقطع مسافة خمسة وستين كيلو متراً كل صباح يوم امتحاني (أي ما يقارب الساعتين) حتى تصل إلى مدينة طرطوس، و تقدم امتحانها في المركز الوحيد المجهز لاستقبال الطلاب من ذوي الإعاقة على مستوى المحافظة، حيث يتم تشكيل لجنة اكتتاب لكل طالب يقدم امتحانه بذلك المركز ولكن مع ذلك لم يكن ذلك التحدي  وتلك الصعوبات عائقاً أمام تقوق لبنى بالفرع الأدبي فقد حصلت على مجموع قدره /2146/ من أصل /2800/. ويبقى السؤال ألا يحق للبنى وأمثالها أن تقدم امتحاناتها ضمن مدرستها القريبة من سكنها كالبقية ألا يحق لها أن تدرس فرع الجامعة الذي ترغب به وليس المناسب لإعاقتها؟

لا يمكن الإنكار أن هناك الكثير من الحواجز التي تقف بوجه الطلاب من ذوي الإعاقة التي تمنعهم من أن يكونوا مثل أقرانهم، بسبب المدارس غير المجهزة بما يتناسب مع إعاقتهم، وبعض القوانين والقرارات الخاصة بالنظام التعليمي، تجعلهم لا يتمتعون بالمساواة في الفرص مع غيرهم من الطلاب من غير ذوي الإعاقة، وبعض الحلول سهلة كأن تشكل لجنة اكتتاب لذوي الإعاقة بكل مركز امتحاني يوجد به أشخاص من ذوي الإعاقة وأن يسمح لهم بدراسة فرع الجامعة الذي يرغبون به لا المفروض عليهم بمفاضلة الأشخاص ذوي الإعاقة.