كتابة مياس سلمان
يبقى الناس أصدقاء، أزواج أو حتى إخوة لأسباب مختلفة، قد لا تكون المحبة بين أسبابها دائماً. أحياناً، التضحية، الأصول والعادات، الصورة الاجتماعية، الصبر والتكاتف، وربما القبول بما لا يمكن تغييره، أو ببساطة اليأس.
يعتقد البعض أن الروابط الاجتماعية والأسرية لم تعد دافئة وعميقة ومتينة كما كانت سابقاً بعد ما يقارب أربعة عشر عاماً من الحرب، بينما يعتقد آخرون أنها لم تتغير، لكن الناس باتوا أكثر جرأة في إظهار خلافاتهم وحقيقتها للعلن بعد أن كان “ما بيصير” و”عيب” و”حرام” كلمات لها ثقل أكبر قبل أن تفرز سنوات سورية العجاف الغث من السمين.
كثرت الأسباب والطلاق واقع
كان هذا جزءاً من النقاش مع أصدقائي ونحن نتساءل لماذا “كتران الطلاق هالأيام”؟، فقد أصبح الطلاق ظاهرة شائعة وبكثرة، فلا يمضي يوم أو يومان إلا وتسمع الهمسات تتحدث عن “فلان طلق وفلانة طلبت الخلع”، فيما كانت سابقاً ظاهرة غريبة مقترنة بالفضيحة والشعور بالخجل وربما تشكل وصمة خاصة بما يتعلق بالمرأة المطلقة.
في دمشق وحدها، حسب تصريحات القاضي الشرعي الأول سجلت بالمحاكم ما يقارب عشرة ألاف حالة طلاق، مقابل ثلاثين ألف حالة زواج عام /2020/، وهناك مؤشرات أن أغلب حالات الطلاق تتم في الزيجات الجديدة التي لم يمض عليها عام واحد فقط. يتفق الكثيرون أن سبب الطلاق الأكبر هو الواقع الاقتصادي الصعب وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن سوف نحاول البحث عن العلاقة بين الإعاقة والطلاق وهل الإعاقة سبب من أسباب الطلاق؟
ربما يجب التمييز بداية فيما إذا كان الشخص ذي الإعاقة طفلاً من أطفال الأسرة أم كان الشخص ذو الإعاقة أحد الزوجين.

طلاق تحت نفس السقف
تشير الدراسات أن وجود طفل ذي إعاقة يجعل ضغوط الأسر النفسية التي ترعى طفلاً ذا إعاقة أكبر بكثير من الأسر الأخرى.
الدكتور شوقي غانم، مختص بالتربية الخاصة، وهو على احتكاك يومي مع أسر أهالي لديها أطفال يعانون من إعاقة عقلية وخاصة توحد، ويعمل معهم من أجل وضع خطط للتأهيل وتعديل السلوك، يقول: “من ملاحظتي اليومية زاد (الطلاق العاطفي) في الأسر التي لديها إعاقة بمعنى عايشين تحت سقف واحد لكن الحياة ضمن البيت لا تطاق نتيجة الضغوط الكبيرة المرافقة للإعاقة”، ويضيف الدكتور شوقي “المرأة دائماً في هذه الأسر هي من تدفع الثمن، وللأسف، أكاد أجزم أني لم أشاهد أسرة لديها طفل من ذوي الإعاقة سعيدة أو حتى مستوعبة الموضوع من كافة جوانبه وأبعاده”.
مها طبيبة من طرطوس لديها طفلة تعاني من متلازمة داون. ترى أن هذه التجربة غيرتها بشكل كامل في ظل عدم تفهم زوجها لما اعتبره “اهتماماً مبالغاً” فيه لابنتها. كان هذا الاختلاف بالتعامل مع الإعاقة سبباً كافياً للانفصال. الزوج بدأ حياة جديدة وزواجاً جديداً وله أطفالٌ جدد، وهي تقول إنها لم تتأثر كثيراً بالطلاق بل وجدت فيه تخفيفاً لعبء عن كاهلها للتفرغ لابنتها التي تعتبرها هدية من الله.
في أحد مراكز “أنا وطفلي”، الذي يهتم بالإعاقات العقلية دون أربع سنوات تؤكد مديرة المركز السيدة رجاء الراعي وهي على احتكاك يومي مع الأهالي إن حالات عدم التوافق الأسري كثيرة ولا يخلو الأمر من وصول حالات لا بأس بها للطلاق، وتضيف من خلال خبرتي، الأب هو الميزان في الأسرة إذا كان الأب متفهماً للإعاقة تزداد الروابط الأسرية أما إن كان الأب غير متقبل للإعاقة تصبح حياة الأسرة جحيماً وقد تنتهي بالطلاق.
سارة أم لطفلة صماء من دمشق عمرها سبع سنوات، سبب الإعاقة على الغالب نتيجة لزواج الأقارب. تقول سارة: رغم الضغوط والهموم الكبيرة الناتجة عن إعاقة ابنتي والخوف على مستقبلها، لكن بمساعدة والدها تعمقت الروابط ضمن الأسرة أصبحنا نعتبر كل المشاكل تافهة لا تستحق التفكير أمام وضع ابنتنا، وخاصة بعد أن منحنا الله طفلاً سليماً، كنا مرعوبين ومترددين من إنجاب طفل ثانٍ بسبب وضع ابنتنا وكانت مغامرة كبيرة، ولكن لطف الله كان كبيراً ومنَّ علينا بالكثير من الأشياء الجميلة التي تعوضنا وتنسينا وضع ابنتنا.

تغير أم تغيرت الظروف؟
في الحالة الثانية، إذا كانت الإعاقة عند أحد الزوجين فإن خطر الطلاق أكبر، خاصة إن كانت الإعاقة مكتسبة وحدثت بعد الزواج بسبب حادث أو كإصابة حرب.
خلال سنوات كثيرة من العنف على كافة أرجاء الجغرافية السورية، تعرض عشرات الآلاف من الجنسين لإصابات بليغة تسببت بإعاقات كبيرة حيث يقدر على سبيل المثال أن 100 ألف سوري تعرضوا لحالات بتر خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة. وربما كل سوري كان بطريقة أو بأخرى شاهداً على انهيار عائلة في هذه الفترة أو تفككها. ومن خلال المعاينات على أرض الواقع، ليست الإعاقة بحد ذاتها دائماً سبباً في الطلاق، بل سوء الوضع الاقتصادي والفقر الناتج عن الإعاقة وعدم القدرة على العمل وتأمين متطلبات الحياة من الأسباب المباشرة للطلاق، حتى بوجود الإعاقة.
جمال شاب تعرض لفقد عينه اليمنى وتشوه في الوجه نتيجة إصابة رصاصة في الحرب في العام /2014/ وهو في عمر الثالثة والعشرين من العمر، وبعد معاناة لسنتين تقبل وضعه وبدأ يفكر بالزواج وتأسيس أسرة وفعلاً تزوج من فتاة متقبلة لوضعه عام /2019 / زواج لم يستمر إلا سنة ونصفاً وانتهى بالطلاق يقول جمال: لم تكن الإعاقة أبداً سبب الطلاق بل عدم التوافق الفكري والمشاكل العائلية والوضع الاقتصادي الصعب وعدم رغبتها بالسكن ببيت العائلة هو السبب الأساسي للطلاق.
بينما ريم مدرسة ولديها ابنتان، تعرض زوجها لشلل نصفي نتيجة حادث سير عانت معه وتحملت لمدة ثلاث سنوات، وانتهى الأمر بالطلاق وتقول ريم أن السبب هو عدم موافقته على التنازل عن المنزل والسيارة لها ولبناتها، مع خوفها من موته المفاجئ مع تراجع وضعه الصحي، وبالتالي من مشاركة أبيه وأمه وإخوته لأملاكه في حال موته كورثة بما أنه لا يملك طفلاً ذكراً والقانون السوري يورث الإخوة إذا لم يكن للأخ المتوفى ابن ذكر.
حسب إحصائية صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء فإن حالات الطلاق شهدت ارتفاع معدلاتها خلال السنوات الأخيرة وباتت متقاربة مع حالات الزواج، وحسب الأرقام المتداولة هناك أكثر من 46 ألفاً و827 شهادة طلاق سجلت عام 2022 في المحاكم بمختلف المحافظات، بمعدل ارتفاع بلغ 11 في المئة مقارنة بعام 2021 الذي شهد 41 ألفاً و957 شهادة طلاق، وخاصة في محافظة حلب التي تحتل المرتبة الأولى ودمشق الثانية وريفها في المرتبة الثالثة، بينما حلت حمص في المرتبة الرابعة.
ويجب القول أخيراً ليست الإعاقة فقط سبباً للطلاق، بل هي سبب من أسباب العزوف عن الزواج بالنسبة للشخص ذي الإعاقة أو الدائرة المحيطة به كالإخوة والأخوات، وذلك لأسباب نفسية واجتماعية كثيرة لا مجال لذكرها حالياً.