ماريا قيومجيان
في مشهدٍ يمزج بين الحزن والعزة، امتلأت ساحة الأمويين في دمشق بصور المفقودين والشهداء الذين قضوا في معتقلات نظام الأسد. مئات السوريين توافدوا استجابةً لدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإحياء ما سُمِّي بـ”جمعة الحزن السوري”، جمعة الحداد والعزاء الوطني. كانت الدعوات تهدف لتجميع السوريين في الساحات العامة داخل البلاد وفي المغترب، تكريمًا لآباء وأمهات الشهداء، ولأبناء تيتموا، ولأخوة وأخوات فقدوا أحبائهم.
أحزان مؤجلة ومطالب حاضرة
ورغم أن التجمع أُجل في اللحظات الأخيرة، إلا أن الأهالي توافدوا إلى الساحة، حاملين صور أحبائهم الذين غيبتهم السجون، كأنهم يحملون شواهد قبور من لا يزالون في عداد المفقودين.
“أريد أبي حيًا”
بهذه العبارة الموجزة والموجعة، كتب أحد الأطفال على لافتة يحملها، بينما الدموع تملأ عينيه.
حتى الأحوال الجوية السيئة لم تثنِ أهالي الشهداء والمفقودين عن الوقوف لساعات تحت المطر. وكأن السماء شاركتهم حزنهم، فأمطرت بغزارة، كأنها تمسح دموع قلوب أنهكها الانتظار.
قصص من قلب الألم
أخ يبحث عن أخيه: شاب عاد من ألمانيا خصيصاً ليواصل رحلة البحث عن أخيه المفقود في المعتقلات. بدأ بزيارة المشافي النفسية، متشبثاً بالأمل أن يكون فقدان الذاكرة قد طمس أثره، كما حدث مع كثير من المعتقلين المحررين.
أم تكسر صمتها: امرأة رفعت بفخر صورة زوجها الذي استشهد تحت التعذيب في المعتقل. قالت بصوتٍ متأثر: “اليوم فقط أستطيع أن أعلن للعالم أن زوجي شهيد، لقد كنت أخشى حتى الحديث عن موته.”
أطفال ومراهقون يطالبون بالعدالة: حملوا صور آبائهم الغائبين، عيونهم الصغيرة تتحدث عن جروح كبيرة. مطلبهم واحد: القصاص من المجرمين الذين حطموا حياتهم وأسرهم.
ملف ثقيل ينتظر العدالة
المشهد في ساحة الأمويين ليس إلا صفحة في كتابٍ ثقيل من الألم ينتظر الحكومة السورية المقبلة. وفقًا لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد المعتقلين والمختفين قسرياً منذ آذار 2011 وحتى آب 2024 أكثر من 136 ألف شخص، بينهم 3,698 طفلًا و8,504 سيدة لا يزالون قيد الاعتقال أو مجهولي المصير.
رسالة جمعة الحزن السوري
كل دمعة انهمرت، وكل صورة رُفعت، كانت رسالة واضحة: السوريون لم ولن ينسوا أحبائهم، والفرح لن يكتمل حتى تتحقق العدالة. هذه الصور ليست مجرد رموز، إنها قصص حية، وأصوات تطالب بحقوق ضحايا القهر والتعذيب.
فلنصمت جميعاً أمام عظمة تلك الصور وأمام الألم المكتوم، ولنضع نصب أعيننا أن العدالة هي حق، وهي الخطوة الأولى نحو بناء سوريا جديدة تستحق الحياة