الإرادة

فيلم “الأصل” يتحدى الزمن ويمزج ألوان البشر

خليل سرحيل

يأتي فيلم “الأصل” (2023) في وقت نحن بأشد الحاجة إلى تناول القضايا المتعلقة بالعنصرية بشكل أكثر عمقاً وجرأة. يقوم الفلم بتفكيك نماذج أساسية تمثل التعصب في التاريخ الحديث، ويكشف بشكل فج الطرق التي تمزق بها الطبقية ضحاياها بصمت وبموافقة مبطنة من المجتمع الأوسع.

من خلال دمج الدراما بالتوثيق التاريخي، يسلط الفيلم الضوء على نظام الطبقات الاجتماعية الخفي الذي يدير معظم المجتمعات الحديثة، ليقدم تحليلًا شاملًا يربط بين الماضي والحاضر، وبين بلدان متباينة مثل أمريكا، ألمانيا، والهند.

في محاولتها لرسم الروابط بين العبودية والعنصرية وتسلسل الطبقات الاجتماعية، تقوم المخرجة السمراء آفا ديفورني بعمل فني يهدف إلى إيقاظ الضمير العالمي ضد العنصرية التي أصبحت أمراً مألوفاً، حيث يتم تبرير القتل والتعدي من خلال تصنيف البشر عبر طبقات وألوان وأعراق بعضها متفوق على بعضها الآخر، بما يعني ضمنيا أن بعضها يستحق الحياة وما يتبعها من حقوق وفرص وإنجازات أكثر من أولئك الأقل حظا في لونهم وعرقهم، بل الأهم، طبقتهم الاجتماعية.

العنصرية والطبقية: ثلاث دول وزمنين

ينتقل الفيلم بين ثلاث دول، هي: ألمانيا، أمريكا، والهند، ويأخذنا عبر فترات زمنية متنوعة في الماضي والحاضر. في هذه الرحلة الممتدة، يستخدم الفيلم مزيجاً من الدراما والتوثيق، مما يضفي عليه طابعاً خاصاً.

يقدم الفيلم قراءة جديدة لموضوع العنصرية. فهو لا يعامل العنصرية كجذر رئيس للتمييز والاضطهاد، بل يعتبرها أداة في يد النظام الطبقي. ينقلنا الفيلم عبر ثلاث فترات زمنية رئيسة تمثل ثلاث حقب من التمييز والاضطهاد. في ألمانيا، يتناول الفيلم نظام النازية الذي استلهم بعض سياساته العنصرية من الولايات المتحدة. حيث استخدم النازيون العنصرية كوسيلة لاضطهاد اليهود رغم كونهم بيض البشرة. في أمريكا، يسرد الفيلم إرث العبودية والفصل العنصري وتأثيره العميق على المجتمعات الحديثة رغم أن البيض في الجنوب الأمريكي وثقوا بالعبيد السود وأوكلوهم مهام تربية أطفالهم، بينما في الهند تم اضطهاد شعب الداليت من قبل الهندوس الأعلى مرتبة، رغم أن الطرفين يتبعان نفس الديانة. 

في كل هذه السياقات، يجادل الفيلم بأن العنصرية، رغم أنها تبدو المحرك الرئيس للأحداث، ليست سوى مظهر خارجي لنظام طبقي أعمق. وفقًا للفيلم، يتم استخدام العنصرية كأداة لترسيخ الطبقية، حيث كانت دائمًا تبريرًا للهيمنة الاقتصادية والسياسية. كما يبرز الفيلم نقاطاً مذهلة مثل اللقاءات بين السياسيين النازيين والأمريكيين ودراسة النازيين لنظام التمييز العنصري الأمريكي كمرجع لاضطهاد اليهود، مما يكشف عن تشابك مريع بين هذه الأنظمة عبر العصور.

تعقيد السيناريو وبنية السرد

قد يواجه المشاهد تحديًا في متابعة الفيلم بسبب تعقيد السيناريو. “الأصل” لا يقدم سردًا خطيًا بسيطًا، بل يخلق شبكة معقدة من الأحداث التاريخية والقصص الشخصية التي تتداخل مع بعضها البعض. الانتقالات المكانية السريعة وغياب الفواصل الواضحة بين الأزمنة التاريخية، إضافة إلى القطع المتكرر بين مشاهد مختلفة، قد يترك لدى المشاهد شعورًا بالارتباك في البداية. رغم ذلك، تبرر المخرجة هذا التعقيد بتعقيد الموضوع نفسه والحاجة إلى فتح أبواب مغلقة مع إصرارها على تقديم وقائع حقيقية وصادمة، مثل استمرار الاحتفاء بتماثيل رؤساء أمريكيين شرّعوا العبودية، أو حقيقة استمرار العبودية في بعض أجزاء الهند حتى اليوم.
من الناحية السينمائية، تستثمر ديفورني في حركة كاميرا مضطربة ومتوترة، تعكس طبيعة الموضوعات التي يتناولها الفيلم. التكوين البصري للفيلم يتغير مع تغيير البلد، حيث نلاحظ جمالية مختلفة في كل مشهد، مما يعكس الفروق الثقافية والحضارية بين المجتمعات المدروسة. على سبيل المثال، مشاهد ألمانيا تمتاز بتصوير أكثر برودة وصرامة، بينما في الهند يسيطر الأسلوب المزدحم والملوّن الذي يعكس تعقيد المجتمع الهندي.
الموسيقى، من ناحيتها، تبدأ بجو جنائزي ثقيل، مما يدعو المشاهد للتساؤل عن الغرض منها في بداية الفيلم. تدريجيًا، يصبح واضحًا أن الموسيقى تعزز إحساس المشاهد بالحزن والقهر الناتج عن عمق الظلم الذي تعاني منه المجتمعات المستضعفة.

رسالة عالمية ضد العنصرية

الفيلم يأتي في سياق حملة مستمرة ضد العنصرية في جميع أنحاء العالم. منذ مطلع الألفية، بدأت العديد من الأفلام تأخذ دوراً نشطاً في التأثير على الرأي العام وتغيير السرديات القديمة المرتبطة بالتمييز. في أمريكا، تصاعدت الحملة ضد العنصرية مع ازدياد حوادث قتل السود على يد الشرطة، وضمن هذا السياق يأتي اسم آفا ديفورني. المخرجة، التي لطالما اختارت التحدث عن قضايا السمر من خلال السينما، تستخدم أفلامها لفتح أعين العالم على حقيقة العنصرية مثل فيلم “الـ13” .

لكن ما يميز “الأصل” هو التركيز على الشخصية الرئيسية، إيزابيل ويلكيرسون الحائزة على جائزة بوليتزر، وتجربتها الشخصية ككاتبة سوداء تسعى إلى تفكيك الأنظمة التي حكمت حياة أسلافها. ليس فقط عبر التوثيق أو السرد التاريخي، بل أيضًا من خلال مشاهد تسلط الضوء على نضالها الداخلي للتوفيق بين واقعها الشخصي والحقائق التاريخية المرعبة التي تكشفها. الفيلم يُشعر المشاهدين بأن رحلة البحث ليست فقط عن معلومات، بل عن هوية ضائعة ومحاولة لفهم عميق لتأثير هذه الأنظمة على حياتها.

التقييمات وآراء النقاد

الفيلم حظي بإشادة من العديد من النقاد لمقاربته الجريئة لموضوعات حساسة للغاية. في مهرجان فينيسيا السينمائي، نال “الأصل” استحسانًا كبيرًا بسبب دمجه الناجح بين الدراما والتوثيق، حيث وصف النقاد العمل بأنه “صرخة فنية وإنسانية تستدعي التفكير العميق”. من أبرز الإشادات التي تلقاها الفيلم هي كيفية معالجته لمسألة العلاقة بين العنصرية والطبقية بأسلوب لم يسبق له مثيل، حيث يُظهر بوضوح كيف يُستخدم التمييز العنصري كوسيلة لترسيخ الهيمنة الاجتماعية.
النقاد الذين أشادوا بالفيلم رأوا أنه يعيد تعريف أفلام التوعية الاجتماعية. فقد قالت صحيفة “الغارديان” إن “الأصل” هو “تحفة تجمع بين الدراما والشهادة التاريخية”. كما وصفت مجلة “فاريتي” الفيلم بأنه “أحد أكثر الأفلام تأثيرًا في العقد الأخير”، مشيدة باستخدام المخرجة للموسيقى التصويرية المؤثرة والأسلوب البصري الحاد لتعزيز قوة الرسالة.
لكن على الجانب الآخر، لم يخلو الفيلم من النقد. بعض النقاد رأوا أن تعقيد السيناريو والانتقالات السريعة بين الأزمنة والبلدان قد يربك المشاهدين. صحيفة “نيويورك تايمز” وصفت الفيلم بأنه “معقد إلى حد يجعله غير مستساغ للجمهور العام”، مشيرة إلى أن افتقاره إلى تسلسل واضح في السرد قد يشتت الانتباه ويضعف من تأثيره.
كما انتقدت بعض الآراء السينمائية الأخرى، مثل مجلة “هوليوود ريبورتر”، الطريقة التي تم بها تصوير الهند، معتبرة أن الفيلم وقع في فخ التنميط الثقافي عند تصوير المجتمع الهندي، حيث أظهرت بعض المشاهد وكأنها تعزز الصور النمطية عن الفقر والجهل في الهند بدلاً من تقديم معالجة أكثر عمقًا لقضية الداليت.

“الأصل” ليس مجرد فيلم عن العنصرية، بل هو محاولة لفهم التاريخ الحديث من منظور أعمق، حيث تلتقي فيه الطبقية بالعنصرية لخلق نظام معقد من التمييز والاضطهاد. يقدم الفيلم رسالة قوية مفادها أن العالم يحتاج إلى مراجعة تاريخه وإعادة تقييم الأنظمة التي تسببت في مثل هذه المآسي، في محاولة للسير نحو مستقبل أكثر عدلاً ومساواة. الفيلم ليس مجرد سرد لقضايا الماضي، بل هو دعوة صريحة للبحث عن طرق لتفكيك الأنظمة الظالمة التي لا تزال تؤثر على المجتمعات اليوم.

كتاب الطبقية وأصول سخطنا للكاتبة ايزابيل ويلكيرسون فقد صدر عام 2020 وحاز على جائزة غودريدر عن فئة التاريخ والبيوغرافيا.
يقدم الكتاب نظرة عميقة وثابتة على القواعد الثقافية والمجتمعية الخفية ,التي تشكل نظام الطبقات في المجتمع الأمريكي .ويفسر لماذا هو مترسخ بشدة في نسيج المجتمع .ويقدم حلاً لكيفية تفكيكه بشكل نهائي لضمان مساواة الجميع.

شعب الداليت في الهند: طبقة من المنبوذين في النظام الطبقي الهندوسي وهم أدنى طبقة بحسب السلم الاجتماعي الهندوسي. هم ممنوعون من الدخول إلى المعابد حتى لا يقوموا بتلويث باقي الطبقات لأنهم يمثلون في رأي الطبقات الأعلى نوع من النجاسة وهم محكومون بالقتل والاغتصاب والعبودية حتى اليوم، ويقدر عددهم بأكثر من 250 مليون نسمة غالبيتهم في الهند.