الإرادة

فيلم غاضب، ساخر ولاذع: “لا تقلقوا، هو لن يذهب بعيداً سيراً على الأقدام”

خليل سرحيل

منذ اللحظات الأولى، بل حتى من خلال العنوان، تبدو السخرية تنضح من الفيلم ولا يمنعها أحد، فهو يحكي سيرة ذاتية غير تقليدية  لرسام كاريكاتير شهير برسوماته الهزلية، وإثارته للمواضيع الجدلية، وفوق ذلك يجلس على كرسي متحرك لا يتوانى عن الهرب فيه في أي لحظة ومن أي شيء تقريباً.

لا تقلقوا، هو لن يذهب بعيداً سيراً على الأقدام، فيلم أميركي مصنف على أنه كوميدي، لكنه ساخر لدرجة كبيرة، ولا شك أن كثيراً من المشاهدين أجبرهم اليفلم على تفحص ضحكاتهم المرتبكة أثناء متابعة الفلم وربما غرقوا مثلي في تحليل سبب الضحك، وشكل الفم أثناءه وارتفاع حدته أو انخفاضه، فالسؤال الذي رافقني إن كان الضحك من مشهد كوميدي يشبه بأي حال من الأحوال الضحك من مشهد ساخر حتى النخاع.

إن صورة “خواكين فينيكس” في دور جون كالاهان، وهو يركض بسرعة على الأرصفة على كرسي متحرك آلي بابتسامة ساخرة سوف تتصدر المشهد بالتأكيد، فلا شيء فيها كوميدي بشكل كاف كي تتضحك ملء شفتيك، لكنه كاف ليجعلك تبتسم من طرف فمك لسنوات قادمة، وفي خلال مئات المرات التي ستتمنى قيها أن تمتلك ليس ذلك الكرسي، بل تلك الجرأة على الهروب من مواجهة حياة غير مفهومة.

يقدم لنا الفيلم فهماً حقيقياً لدواخل الرسام وكاتب الأغاني جون كلاهان المولود في 1951، ومحطات حياته، بداية من تخلي والدته عنه، ثم إدمانه الكحول منذ الطفولة، إلى إصابته بالشلل جراء حادث سير أدى إلى تغيير حياته على نحو غير متوقع، ومن ثم اكتشافه قدراته الفردية في الرسم ومن ثم النهوض والمحاولة للبحث عن معنى للحياة.

القصة، المستندة إلى السيرة الذاتية لكالاهان، تبدأ في جلسة للعلاج النفسي لجمعية مدمني الكحول المجهولين الذين عليهم اتباع الخطوات الاثنتي عشرة المحددة بوضوح للوصول إلى الرصانة والصحوة. لكن سرعان ما يسرق خواكين فينكس الكاميرا بشعره الأحمر نحو حياته بتعرجاتها الكثيرة. نتعرف على قصة كالاهان من خلال سلسلة من المشاهد الارتجاعية. ننتقل من مشهد الحادث اللحظة المحورية التي غيرت حياة جون كالاهان، والتي تم تصويرها بمزيج من الشدة والسريالية إلى للحظة التي اكتشف فيها جون موهبته في الرسم، بدءاً برسوماته الكرتونية الفريدة والمثيرة للجدل وصولاً إلى مشهد المواجهة مع صديقه دكستر حول ليلة الحادث، مما يؤدي إلى لحظة من التسامح والانعتاق. دون ادعاء أي نوع من الفضيلة أو الدعوة لأي نوع من الأمل، يتنقل الفيلم ليكون لاذعاً في لحظة وغاضباً في اللحظة التالية. يستشعر المشاهد المرونة والخلاص والقوة الشفائية للفن ليس كرسائل عامة تبشيرية للفيلم بل كتطور طبيعي لهوية متشظية ومتصالحة مع تشظيها في الوقت نفسه.

في رحلة حياة كالاهان مدمن الكحول الفقير، نعرف أنه لجأ إلى الكحول بسبب الطفولة القاسية التي عاشها، باحثاً عن والدته التي رفضته، ونصل إلى اليوم الذي يغير حياته بسباق إلى متجر لبيع الخمور. ينتهي به الأمر في حفلة، ويلتقي برجل ثرثار (جاك بلاك) وينتهي بهما الأمر بالقيادة وشرب الخمر في جميع أنحاء لوس أنجلوس. ليستيقظ في المستشفى مشلولًا، ومن ثم ليتكلم عن حياته البسيطة والمكررة ضمن مجموعة مخصصة للعلاج النفسي يديرها جوانا هيل وهو ثري مريض بالإيدز.

تنتقل الكاميرا إلى الماضي، لترينا حياة جون كالاهان وهو يشرب، في كل يوم وفي كل ساعة ثم إلى المستشفى ورحلة التأهيل القاسية التي يمر بها. وهو يحمل آلامه النفسية وأسئلته عن والدته الغائبة وعن معنى لحياته وجسده الجديد الذي لا يستجيب لأوامره. قبل أن يتمكن من الرسم بكلتا يديه. ويبدأ برحلة التسامح مع الماضي التي كان الألم عنواناً لها، ونسمع المكاشفات العميقة التي كان على كاهان أن يسترجعها ليستطيع إكمال سيره على الطريق البطيء الذي قطعه نحو التعافي.

ويبدأ كالاهان بالانتشار، لتطبع رسوماته المضحكة في أكبر جريدة في ولايته، وقد طرح من خلالها الكثير من المواضيع الشائكة، السياسية منها والمجتمعية، وقد سببت رسوماته احتجاجات كثيرة أمام مقر الجريدة.

لا يوجد خط زمني واضح للفيلم، حيث تنقلنا كاميرا المخرج بطريقة سريعة. فهو يغطي فترة محدودة من حياة كالاهان، ويبدأ الحشو في الفيلم يظهر بالنصف الثاني للفيلم. كما يتم تكرار كلام كالاهان وتعبيره عن الحالة السوداوية التي تسيطر على حياته. فرغم وجود الكثير من اللحظات الرائعة، ولكنها تبرز وسط خليط من المشاهد المسطحة الغريبة، بحيث لا يبدو الفيلم أنه يتجه إلى أي مكان.

مع ذلك، فإن قرار المخرج استخدام رسوم كالاهان الكاريكاتورية نفسها لتكون جزءاً من الفيلم، يعطي راحة واحساساً كوميدياً. فهي تحتوي على آراء كالاهان حول الإعاقة والحالة السياسية وتلعب على استفزاز الجمهور عبر تحدي معتقداته وبديهياته.

يزداد الجدل بعد صدور فيلم جديد يتناول قضية الإعاقة بأي شكل كان، حيث تخلق هذه الأفلام جدلاً بأكثر من اتجاه. بعضهم يفترض أن الشخصيات الرئيسية في أي فيلم يجب أن تمثل بواسطة أشخاص ذوي إعاقة. ولكن يدافع البعض عن القيمة الفنية التي يقدمها الممثل من غير إعاقة مثل خواكين فينيكس والسير دانيال دي لويس في قدمي اليسرى وغيرهم الكثير. لكن مما لا شك فيه أنهم جميعاً يدافعون عن أن الحياة الطبيعية هي الغاية وليست السينما لترسيخ صور البطولة، التي من شأنها ان تعود بنتائج سلبية.

توفي جون كالاهان في عام 2010 بعد أن نشرت رسوماته في صحف عريقة مثل ذا نيويورك وبنتهاوس وناشيونال لامبون. كما عُرضت سلسلة كارتونية من تأليفه، تدور  حول شخص يستخدم كرسياً متحركا ويشدد على أنه عاش حياة طبيعية.

  Don’t Worry, He Won’t Get Far on Foot 

فيلم الدراما الكوميدية الأمريكي، صدر عام 2018، وعرض لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي. أستند المخرج جوس فان سانت على مذكرات الرسام ومساعدته في كتابة السناريو. يرافق الفيلم موسيقى جميلة من تأليف داني إلفمان. دور البطولة كان من المفترض أن يكون للممثل روبن ويليامز حيث أتفق مع المخرج على تأدية الدور، ولكن ذهب الدور لخواكين فينيكس في أحد أجمل أدواره، ويشترك معه جوانا هيل الذي خرج من النمط الكوميدي الذي اعتاد عليه. ومن إنتاج أستوديوهات أمازون وصدر في عام 2018 وحاز على ترشيحات للجوائز.
فيلم لا تقلقوا إنه لن يذهب بعيداً على الأقدام مثال ملهم وحقيقي للطرق الوعرة تجاه الصفاء والوصول إلى التوازن. يشاهد الإنسان نفسه وهو يسقط ويقف مجدداً وهو مستعد للتضحية.