خليل سرحيل
متروكًا لقدره لا يتحرك من مكانه، بين كبار السن والعجزة، لا يجد زاك طريقاً للحاق بأحلامه سوى الهروب من الدار نفسها التي ترعاه، في محاولة تبدو مجنونة لتحقيق ذاته وتعلُّم المصارعة على يد أشهر المصارعين. هكذا يبدأ فيلم “صقر زبدة الفستق” الذي يجمع بين الدراما والكوميديا والمغامرة في قصة مؤثرة وملهمة تحمل معها إيحاءً بالانتصار على الواقع وعلى الصورة النمطية التي أُلصقت بالمصابين بمتلازمة داون.

فيلم The Peanut Butter Falcon الذي صدر في عام 2019، من تأليف وإخراج تايلور نيلسون ومايكل شوارتز، وهو الفيلم الطويل الأول للمخرجين. حقق الفيلم مبيعات تجاوزت 23 مليون دولار. من بطولة زاك جوستاجين وشيا لابوف وداكوتا جونسون. وحصل الفيلم على جائزة الروح المستقلة لأفضل ممثل في فيلم درامي لزاك جوستاجين.
يبدأ الفيلم في دار الرعاية حيث تم وضع زاك هناك من قبل الدولة لأنه لا يملك عائلة أو مالاً، شاب بعمر 22 عامًا ولديه متلازمة داون، يصادق جميع المسنين لكن يشغله هاجس واحد، تعلّم مصارعة الكبار. تدور في رأسه الأسئلة التي يحملها جميع من في عمره. أسئلة عن هويته وعن أحلامه وعن رغبته بالحياة كشخص طبيعي، وليس كشخص تلتصق به صفة الإعاقة. وعلى أثر هذه الأفكار، يهرب زاك من المكان الذي يحميه، ولكنه يسجنه.
تسلل زاك من نافذة صغيرة، قلبه يدق كطائر محبوس. كانت الليلة مظلمة، والريح تهب بشدة، تحمل معها رائحة المطر القادم. شعر بالبرد يلسع وجهه، ولكنه تجاهل كل ذلك، فالحرية كانت تنتظره في الأفق.
يلتقي زاك مصادفة بتايلور، المجرم الهارب، شخصية معقدة، تجمع بين القسوة والرحمة. يساعد زاك في رحلته، ولكنه يواجه صراعاته الخاصة، يهربان معاً من العدالة ومن دار الرعاية في طريقهما إلى مدرسة المصارعة، حيث يتعرف البطلان على حياتهما بشكل أفضل. لتنضم إليهما الينور، موظفة الإصلاحية، في هذه الرحلة الهوليودية العجيبة نحو الحرية ونحو أحلام زاك. رحلة ستحمل الكثير من المصاعب واللحظات الحزينة والمواقف المضحكة حيث سيبدو زاك مثل أي شخص منا. لا يتم اختزاله في صورة نمطية، ولا يتم تجاهل إعاقته.
تبدو حكاية الفيلم عاطفية جداً بحيث لا يمكن تصديقها، لكنها ليست كذلك. إنها حكاية مبنية على التفاصيل، خاصة الصداقة والأحلام والطبيعة، يمكنك أن تشَمَّ رائحة الملح والعفن في الهواء. الأمواج وحقول الذرة والمستنقعات وموسيقى الأغاني الريفية.
الفيلم يحمل تكوينات بصرية جميلة، حيث تم تصوير الفيلم في سافانا في ولاية جورجيا، وقد استغل مدير التصوير والمخرج الطبيعة الجميلة. حيث ترى مساحات بحرية ومستنقعات، كان لها دور كبير في جمالية الصورة. والموسيقى التصويرية التي توحي بالمغامرة والجنون بدل استدرار العاطفة، وبهذا أعطت مساحة أكبر للقصة والأبطال. أما السيناريو أوالقصة فقد تبدو غير مترابطة، بعض المغامرات تعمل بشكل أفضل من غيرها. وبعضها يبدو مصطنعاً أو تم تضخيمه كما حدث في نهاية الفيلم. ولكن هذه انتقادات ضئيلة في مواجهة تفاصيل عالم زاك، الغريب والمبهج والبعيد عن الكليشيهات، مما يعطي الفيلم أصالة لم يكن ليحصل عليها لولا ذلك.

قدم الممثل زاك جوستاجين أداءً استثنائياً في دور زاك، حيث تمكن من إيصال مشاعر الشخصية بصدق وحساسية. ويعتبر “صقر زبدة الفستق” من الأفلام القليلة في هوليوود التي منحت بطولة الفيلم لشخص لديه متلازمة داون. وهكذا حصل زاك جوستاجين على دور البطولة بعد أن كان قد مثل أول أدواره وهو في عمر الثالثة. وكان قد التقى بمخرجي فيلم “صقر زبدة الفستق” في معسكر لذوي الإعاقة وهناك بدأت فكرة الفيلم تتحول إلى حقيقة. ومهدت لصداقة قوية بين الممثل والمخرجين.
وفي مقابلة مع المخرج تايلور نيلسون، قال: إنه عُرض عليه المزيد من المال كي يسند الدور الرئيسي لشخص يتمتع بسمات جسدية ووجهاً أكثر قابلية للتسويق. لكنه فضل زاك، مجابهاً بخياره هذا شركات الإنتاج وقنوات البث التي قد تمتنع عن شراء الفيلم. وهنا كان الفيلم بمثابة تسليط الضوء على التمييز وخطاب العنصرية الذي يواجهه الأشخاص ذوو الإعاقة في هوليوود، بالإضافة إلى أصحاب البشرة السمراء وغيرهم. حيث تغيب فكرة التمثيل الصحيح لفئات المجتمع في أكبر المجتمعات المتطورة سينمائياً على وجه الأرض. ولكن مع أفلام مثل “coda” و”صقر زبدة الفستق”، تصل دائماً إلى قلوب الجمهور الواعي لتدافع عن وجود ذوي الإعاقة المتنوع. في وجه الاتجاه الواحد، في أفلام تعطي رؤية واقعية وغير نمطية. حيث تنقل الصراعات الفردية وسبل عيشهم.
الحديث عن "التمثيل" في السينما غالباً ما يُستبعد ذوو الإعاقة الذين غالباً ما يمثل دورهم الممثلون الأصحاء طوال الوقت، وهذا لا يعني أنهم لا يؤدون أدوارهم بشكل جيد جداً، وفي بعض الأحيان يفوزون بجوائز الأوسكار عن ذلك، ولكن كل ما عليك فعله هو مشاهدة أداء جوستاجين لترى ما الذي نفتقده عندما نتجاهل شكاوى مجتمع ذوي الإعاقة فيما يتعلق بالتمثيل. ومن غير السهل أن نتخيل "اسماً" سليماً يلعب هذا الدور ويجلب له حتى نصف ما يفعله جوستاجين بشكل تلقائي.

ازدادت في الفترة السابقة الأعمال التي تعالج في مواضيعها الإعاقة ومتلازمة داون حول العالم. أصاب بعضها وأخطأ بعضها. عربياً كان فيلم “غدي” بطولة جورج خباز. تم تصوير الشخص المصاب بمتلازمة داون على أنه ملاك نازل من السماء. ليعزز الفيلم الصورة النمطية لمتلازمة داون. وبهذا يحرمها من حقها في أن تكون طبيعية. ولا شيء أكثر من ذلك. في سورية كان مسلسل “ما وراء الشمس” سباقاً بالتعبير عن حياة المصابين بمتلازمة داون والتوحد حيث كانت البطولة للممثل علاء الدين الزيبق، وهو شخص لديه متلازمة داون.
فيلم “صقر زبدة الفستق” لم يحقق مبالغ طائلة لكن بعفويته وبساطته كان أكثر فيلم مستقل حقق أرباحاً لعام 2019 سنة صدوره. ليعطي بذلك مثالًا لصناع الأفلام بالبحث في قصص ذوي الإعاقة والتعبير عنهم.