الإرادة

فطر الكمأة مصيدة الخراب في بادية الشّام

شيماء الشريف، منصة إرادة

تشتهر البادية السوريّة المتاخمة لمحافظتي الرقة ودير الزور بموسم الكمأة أو “الفقع” أو “بنت الرعد”، ثمرة أرضية سماويّة تنبت فطرياً دون تدخل زراعي. الكمأة بالنسبة إلى السكان المحليين ليست مجرد ثمرة تنبت بشكلٍ طبيعي، بل هي علامة يستبشر بها الأهالي من أبناء الدير والرقة بموسم وفير، فكلما جادت البرية بكمأة أكثر كلّما كان هذه السّنة سنة خير وبركة ومحاصيل وفيرة، فوجود الكمأة مرتبط بشكل مباشر بالأمطار الوفيرة. هذا التفاؤل التاريخي بهذه الثمرة، انطفأ في السنوات الأخيرة، ليحل محله الخوف والحذر، فاليد التي تنقب الرمال بحثا عما أغدقت السماء، قد تكون في الوقت نفسه تحفر قبر صاحبها حرفياً. هكذا يضع طالبوا الرزق “روحهم على كفهم”، ليأكلون “لقمة مغمسة بالدم”، و”ثمرة غالية” حولتها سني الحرب إلى “موت رخيص”.

توقف جمع الكمأة خلال سنوات الفوضى والحرب بسبب خطورة الخروج إلى البادية في ظل نشاط عناصر تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) خلال السنوات 2012 وحتى 2019، حيث بدأ الأهالي العودة بشكل حذر للخروج إلى البريّة منذ بداية الربيع وحتى نهاية شهر آذار، وخلال العام 2024 خرجت جولات أكثر إلى مناطق (جبل البشري) (الشعفة) (الجولا) و(أخضر مي)، تحت إغراء الأجور المرتفعة لجامعي الكمأة حيث يصل أجر العامل الواحد إلى مليون ل.س ما يعادل 60دولار أمريكي، مقارنة مع الأجر المنخفض لنفس العامل  في مواسم أخرى مثل القمح والشعير والّذي لا يصل لدولار أمريكي واحد في يوم عمل كامل. هذا الفرق بالأجر، لا يرجع إلى صعوبة العمل بجمع الكمأة، أو بسبب غلو ثمنها أو ندرة هذه الثمرة فحسب، بل لأن الكف الذي يجمعها، يقبض على روحه في نفس اللحظة.

لهذه القصة صفحتها السوداء، وربما الحمراء. ففي كل موسم للكمأة، يتجدد موسم الدم. ومع كل قطاف في الأعوام الأربع الماضية، يترافق حصاد للأرواح.

يحكي لنا أحمد العمر (30 عاماً زوج وأب لطفلتين من أبناء عشيرة البو سرايا) كيف كان شاهد انفجار لغم أرضي برجلين على دراجة هوائية أثناء ذهابه في الربيع إلى البادية بهدف جمع الكمأة أيضا. يقول: “خلال ثواني تحول الرجلان إلى أشلاء قمنا بجمعها في كيس من ذلك النوع الّذي نحمله لجمع الكمأة، والغريب بأنّنا تابعنا العمل في جمع الكمأة بعد هذا الحادث وكأنّ شيءً لم يكن”.

يبدو المشهد قاسياً، ومغمساً بالدم، وكيلو الكمأة الذي تجاوز سعره في بداية الموسم نصف مليون سورية، حوالي (30 دولاراً)، يبدو زهيداً إذا ما تم احتساب الجثث المحترقة والأطراف المقطعة ضمن التكلفة. حتى نهاية موسم جني الكمأة الذي استمر طوال الربيع، وصل عدد الضحايا إلى حوالي 52 شخص حسب عدة مصادر، إضافة لعشرات الجرحى الذي يحتاج كثير منهم أطراف صناعية. ورغم تكرر السيناريو كل عام، ما زال السكان المحليون ينتظرون الموسم بفارغ الصبر.

يضيف أحمد “إذا كنتَ أب ومعيل لعائلة لا يمكنك التوقف والتفكير في مثل تلك الحالة لأنّك إذا تابعت العمل قد تموت، ولكن إذا توقفت عن العمل فحتما سيموت أطفالك من الجوع أو المرض لأنك لن تملك المال لتأمين الطعام والعلاج والمأوى لعائلتك هذا ما ستفكر فيه حينها وأنت تشاهد الكمأة في الأرض وتتخيل عودتك إلى البيت بعد بيعها، اليوم عندما أتذكر هذا الحادث أشعر بالندم لأنني تابعت العمل ولم أتوقف كان يمكن أن أموت ولا أبرر تصرفي حينها إلّا بالطمع، ولن أعمل في جمع الكمأة العام القادم”.

وتؤكد معظم المصادر أن الألغام التي زرعها «داعش» في مناطق البادية السبب الرئيسي في مقتل جامعي الكمأة، حيث تعدّ الألغام، من الملفات الشائكة التي يبدو التصدي لها صعباً في بلد يشهد نزاعاً منذ 13 عاماً، اتبعت خلاله أطراف عدة استراتيجية زرع الألغام في مختلف المناطق.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة يعيش 10.2 مليون سوري في مناطق مزروعة بالألغام، مما أسفر عن مصرع 15 ألف شخص بين عامي 2015 إلى 2022 وبخاصة في البادية وعلى أطرافها، ومن الواضح أن هذا الموسم كان أكثر دموية.

وتعمل النساء أيضا في موسم الكمأة في كل من باديتي دير الزور والرقة، وكان لهنّ حصتهن الخاصة من الموت، وبحسب شهادات من سكان محليين فإن خمسة عشر امرأة فقدت حياتها خلال العام الجاري.

أم علي 25 عام من قرية (الكشمة) في دير الزور تقول:”توفيت أختي الأصغر سعاد 20 عام بعد أن انفجر لغم أرضي في سيّارة كانت فيها عام 2022 كما توفي أربعة أشخاص كانوا معها، لم تمتلك أختي خيار آخر غير العمل في جمع الكمأة لتعيل طفليها بعد أن هاجر زوجها إلى ألمانيا وتركها دون معيل مع طفليها، كانت تجمع المال لبناء غرفة تسكن فيها مع طفليها، الآن الطفلين أحمد 5 سنوات وعمر ثلاثة سنوات يعيشون معي”.

بحسب مصادر محليّة في الريف الشرقي لدير الزور، فإن أعداد ضحايا الفطر الساحر(الكمأة) بالعشرات أغلبهم توفي على الفور بينما أصيب آخرين بالبتر وإعاقات. وعلى الرغم من ارتفاع أعداد القتلى والجرحى من جراء انفجار الألغام بجامعي الكمأة أو تعرّضهم للهجوم من قبل مجهولين ينسب غالبا الهجوم لخلايا داعش في البادية، إلّا أنّ الرحلات مستمرة ولم تشكل جميع هذه المخاطر رادع للعمال والعاملات في جمع الفطر الساحر “ابن السماء”.

لا يمارس الأهالي في ريف دير الزور والرّقة هواية الموت، كما أنهم لا يخرجون في رحلات جمع الكمأة للترفيه كما كانوا يفعلون قبل عام 2011 حيث كانت هذه الرحلات ترفيهيّة غير ربحيّة بهدف جمع القليل منه للغذاء أو للاستشفاء، ففطر الكمأة يدخلك جزء من الموروث الثقافي في الطب العربي أو الشعبي، بل تحوّل إلى مصدر دخل مؤقت لعائلات فقيرة ومعدمة، وبشكل عام فإن المستوى المعيشي لسكان المنطقة الشّرقية تراجع بشكل ملحوظ بسبب تضرر القطاع الصناعي وخروج معملي الغزل والسكر عن الخدمة بشكل كامل، وتضرر قطاع الزراعة بشكل كبير بسبب الأحداث الّتي مرّت في المنطقة كإعصار مدمر وفقدان أغلب الفلاحين لأراضيهم ومعدّاتهم ونفوق حيواناتهم، بالإضافة إلى خروج أغلب الجمعيات الفلاحيّة عن الخدمة وتحوّل جميع الوحدات الإرشاديّة الزراعيّة إلى دور مأوى مؤقتة للنازحين، فتراجع دخل الفلاح إن لم ينعدم في كثير من الحالات ليدفع بعمال وعاملات على هاوية الفقر المدقع للمجازفة بأرواحهم والخروج بحثا عن الكمأة الموجودة في بحر من المخاطر فتُرى هل سيتجدد نفس السيناريو في ربيع 2025.