خليل سرحيل
كان وقع الزلزال مدوياً وكارثياً على المجتمع السوري بكافة طبقاته، فالضرر نال الجميع، ولكن بدرجات متفاوتة، فمن يملك أكثر من شقة أو لديه بيت ريفي لجأ إليه، ومن لديه أقارب لجأ إليهم، وهناك من ليس لديهم شيء: هؤلاء ذهبوا إلى مراكز الإيواء.
نجت ام أحمد وزوجها وأخته من الزلزال مع فاتورة خسائر كبيرة. أم أحمد لديها كسر في مشط القدم، وأخت الزوج خسرت أربعة من أطفالها، مع كسور في جسدها كله تقريباً، وتعيش العائلتان حالياً في أحد مراكز الإيواء المفتوحة في اللاذقية.
على كرسي متحرك مخصص للحالات الإسعافية، تجلس أم أحمد أمام مركز الإيواء مع زوجها هرباً من الازدحام في المهجع وطلباً للهواء النقي. تقول أم أحمد عن معاناتها في مركز الإيواء: “لا يوجد أسرّة ننام عليها، ويحضرون لنا مياه الشرب مرة واحدة فقط يومياً، ولا يوجد ماء ساخن للاستحمام، ولا مكان مخصص للاستحمام، ولا حمامات ولا دورات مياه نظيفة”، وأضافت أنه بعد شهر من تقديم شكوى، تم تركيب حمام واحد للمعوقين في المركز، ولا تزال أم أحمد بحاجة لمساعدة عائلتها على التنقل والوصول للحمام لأنه بعيد جداً عنها.

حسب الإحصاءات المتوفرة حتى الآن في بيانات مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، انهار في اللاذقية 103ﻣبان، فيما هناك 300 مبنى معرض لخطر الانهيار وتم إجلاء الناس منها، ورغم أن عدد الأبنية التي انهارت في اللاذقية أقل من محافظات حلب وإدلب إلا أنها شهدت نسبياً عدداً كبيراً من الضحايا والجرحى (تم تسجيل 805 حالة وفاة و1131 إﺻابة).
وسبب الزلزال نزوح 172 ألف شخص في اللاذقية، لكن اضطر معظمهم للإقامة مع أقارب وأصدقاء أو استئجار بيوت أو غرف، حيث لم توفر السلطات سوى 29 مأوى جماعياً فقط مما أدى إلى الاكتظاظ والازدحام في هذه المراكز التي لا توفر كثيراً من الحاجات الأساسية بشكل يحفظ الكرامة الإنسانية.
في مراكز الإيواء الموجودة حالياً، لا يوجد أي مركز مجهز بالكامل لخدمة ذوي الإعاقة، أو حتى غيرهم من الأشخاص الذين قد لا يكون لديهم احتياجات خاصة، لكن لديهم بالضرورة حاجات إنسانية. فالمراكز الموجودة لا تتعدى كونها ملاجئ فقط، يمكن استخدامها بشكل مؤقت ليوم أو اثنين فقط، لكن ها نحن ندخل الشهر الثاني من الكارثة دون أي استعدادات حقيقية. كمثال فإن أغلب دور الإيواء في منطقة الرمل الفلسطيني هي مدارس لا يوجد فيها حمامات ولا دورات مياه نظيفة ولا إنارة ولا حتى حمامات منفصلة مخصصة للجنسين، ما يجعل فرص التحرش أكبر ويزيد فرص حدوثها العنف الإيذاء الجنسي.
حسب تقرير صادر عن مفوضية اللاجئين فإن توافر المراحيض والمياه للاستحمام محدود في مراكز الإيواء الجماعية المزدحمة في حلب واللاذقية حتى للناس العاديين، في حين أنه قد يكون معدوماً للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. كما ﻻ توجد مراحيض منفصلة بين الجنسين في معظم المراكز.
فمعظم الملاجئ الجماعية غير مجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة ولا تراعي أوضاعهم مما جعل وصولهم إلى الحمامات ومرافق الصرف الصحي وحتى الوجبات الغذائية أكثر صعوبة وأحياناً مستحيلاً، كما أنهم يتعرضون بشكل خاص للاستبعاد من الخدمات أو يواجهون ازدواجية المعايير بسبب استضعافهم أو بسبب أنواع التمييز والوصمة الاجتماعية تجاههم.
يتحدث منير عن المأوى الذي يعيش فيه منذ حوالي شهر “الحمامات تنظف مرة واحدة صباحاً وتستخدم بعد ذلك من غير تعقيم او تنظيف حتى اليوم التالي، يستخدمها الجميع كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، ذوي إعاقة وغيرهم، ويضيف: “لم نستحم منذ أكثر من ٢٠ يوماً بماء ساخن، نريد تدفئة وأدوية، المأوى وحده لا يكفي، وعلى المأوى أن يضمن راحتي لا ان تزداد معاناتي به”.
من جهته يتحدث أحد المتطوعين عن الأوضاع الصعبة في مراكز الإيواء من جهة عدم توافر التدفئة والمياه بشكل دائم، وعن ضرورة تخصيص الحمامات للذكور والإناث وتخصيص حمامات قريبة لذوي الإعاقة، وتوزيع المنظفات وتنظيف الحمامات وتوعية المنكوبين حول النظافة الشخصية وقت الكوارث وزيادة عدد النقاط الطبية الموجودة في المراكز لمتابعة حالة المرضى بشكل فوري وسريع وتوعية الأطفال على النظافة الشخصية.

فإلى جانب العدد الكبير من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة الذين يملؤون مراكز الإيواء في اللاذقية، هناك أيضاً، الحوامل ومرضى الضغط والسكري والأمراض المزمنة وكبار السن الذين يعانون جميعاً من قلة الخدمات الموجهة لهم في المراكز. وحسب فريق منظمة الصحة الدولية الذي زار عدداً من الملاجئ في اللاذقية وحلب فإن 10% من السكان النازحين بحاجة إلى خدمات إعادة التأهيل الجسدي وأن الخدمات الصحية متاحة لـ 50% فقط من الأشخاص المقيمين في الملاجئ.
لانا صليبي طفلة ولاعبة جمباز أصابها مرض نادر في القلب منعها من الذهاب للمدرسة ومن ممارسة الجمباز حالياً، تقيم مع عائلتها في أحد المهاجع بعد أن دمر الزلزال منزلها. بسبب مرضها، لانا ممنوعة من صعود الأدراج والسير لمسافات طويلة أو الإجهاد والتعب الجسدي، وهي تحتاج لرعاية طبية غير موجودة في مراكز الإيواء، الأمر الذي يجبر عائلتها بأن يعالجوها على نفقتهم في مشافي اللاذقية المزدحمة. تقول لانا: “في الأيام الأولى بعد الزلزال كان المركز الصحي موجوداً هنا، لم نكن نحتاج الكثير من الأدوية والاستشارات، لأن الأطباء أقاموا بيننا أسبوعين، ولكنهم الآن رحلوا ولم يعودوا يأتون مثل السابق”. تحلم لانا بالعودة للدراسة والعودة لممارسة الجمباز وتحقيق أحلامها بإصرار وتحد لكن أولاً تحتاج متابعة طبية حقيقية تضمن سلامتها وشفاءها.
وحسب فريق منظمة الصحة الدولية الذي زار عدداً من الملاجئ في اللاذقية وحلب فإن 10% من السكان النازحين بحاجة إلى خدمات إعادة التأهيل الجسدي وأن الخدمات الصحية متاحة لـ 50% فقط من الأشخاص المقيمين في الملاجئ.
في هذا السياق، قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستبيان في الملاجئ الجماعية في اللاذقية وحلب وحماة، أظهرت نتائجه أن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة هم الفئة الأكثر تضرراً (76%) إلى جانب ذوي الاحتياجات الخاصة (74%). وأظهرت النتائج أن الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن يواجهون تحديات إضافية في مراكز الإيواء ولا يتلقون المساعدة المطلوبة، وقالت المفوضية في تقريرها إن الأضرار التي سببها الزلزال جعلت إمكانية وصولهم إلى الخدمات المحدودة أصلاً أكثر صعوبة.
لقد توقفت حياة الكثيرين صغاراً كانوا أم كباراً، البعض لم يعد لديه بيت، كثيرون فقدوا أعمالهم، أطفال توقفوا عن الذهاب لمدارسهم، ومرضى يحتاجون استئناف علاجهم، جميعهم لديهم حقوق وحياة يريدون أن يعيشوها بشكل طبيعي.