مياس سلمان
لم يعد أحد في سورية يتحدث عن الحرب الكبرى، وما حصل خلال سنوات الأزمة، فلكل فرد حرب صغرى خاصة به، وفي كل أسرة هناك أزمة مستنسخة حاضرة في يومياتها. معارك اقتصادية تبدو قاسية كالمعارك الحقيقية، على الأقل، بالدمار الذي تتركه، معارك يخوضها السوريون يومياً مع الأوراق النقدية الكثيرة ذات القيمة القليلة، لتأمين احتياجات أسرهم الضرورية من طعام وشراب وغيرها، في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وانخفاض مستوى الدخل وفقدان أي عمل يكفي متطلبات الحياة بحدها الأدنى، ويعتبر هذا الشهر الأكثر صعوبة على السوريين شهر المونة والمدارس والتحضير للشتاء. لا أحد يدندن أغنية فيروز “ورقو الأصفر شهر أيلول ذكرني فيك” دون أن يضحك، فشهر أيلول يذكرنا بأوراق العملة الصفراء التي لا تكفي، وبصفرة الوجوه التي تخاف برد الشتاء القادم، وبالهوا الأصفر الذي أصابنا بكل أنواع الأمراض.

ملك السفرة المتنحي
المكدوس الأكلة الشعبية الأبرز التي ستغيب هذا العام عن موائد الكثير من السوريين.
لقد انخفض هذا العام سعر الباذنجان الخاص (بالمكدوس) إلى ثلاثة ألاف ليرة سورية، وهو دون سعر التكلفة للمزارع، بسبب العزوف الكبير عن شرائه، فتكلفةعشرين كيلو من المكدوس وبالأرقام حسب (أم حسن) تتجاوز ثلاثمائة وخمسين ألف ليرة سورية، فثمن مئة جوزة التي تحتاجها الكمية مئة وخمسة وعشرون ألفاً، وثمن الباذنجان والفلفل الأحمر أكثر من مئة ألف، وتحتاج إلى خمسة لتر زيت دوار الشمس (طبعاً لن نحسبها على سعر صرف زيت الزيتون) بمبلغ مئة وثلاثين ألفاً حسب أسعار اليوم في الأسواق.
يتذكر مالك وهو رب أسرة من حمص يعمل سائق تاكسي أجرة ولديه أربعة أبناء “الأيام الخوالي”، عندما كانت مونة المكدوس التي يجهزها كل عام تتجاوز السبعين كيلو غرام، ولكن هذا العام “لم نستطع تموين أكثر من خمسة عشر كيلو غرام بسبب الظروف الصعبة التي نعيشها فنحتاج خطة طوارئ لتقسيم الدخل حسب الأهمية، وهناك ما هو أهم من المكدوس.
على الخبزة والزيتونة
كانوا قديماً يقولون إذا ضاق فينا الحال نعيش على خبز وزيت، زيت الزيتون كان أكل الفقراء، وسورية كانت تشتهر به، فسعر بيدون الزيت سعة /20/ لتراً كان عام /2010/ ثلاثة ألاف ليرة سورية، أما اليوم فسعر بيدون الـ /20/ لتراً يتراوح بين المليون ومئتي ألف ومليون ونصف حسب جودة الزيت ليصبح حكراً على الأغنياء أو المزارعين المنتجين للمادة.
فراس من دمشق، يحسب عدد السنين “العجاف” التي لم تنته بعد، ويقول إنه كان يشتري حوالي خمسة بيدونات، أي ما يعادل مئة لتر زيت زيتون مونة عام كامل لأسرته المكونة من ستة أشخاص، أما اليوم يغيب زيت الزيتون عن موائده، ويعتمد على زيت عباد الشمس والسمن النباتي كونه أوفر بكثير على حد قوله:(عايشين كل يوم بيومه المونة أصبحت من الماضي مهم نمرق اليوم أكل وشرب).
وحدها الملوخية بقي الطلب عليها كبيراً، كون سعر كيلو الملوخية اليابس بين خمسين وستين ألفاً، وهو سعر مناسب للطبقة الفقيرة وإن كان الكثيرون لم يعودوا يطبخونها مع الدجاج والسمن البلدي، بل يستعيضون عن ذلك بظروف مرقة الدجاج التي أصبحت بديل اللحم في الطبخ عند غالبية الشعب السوري.
أما في الريف وخاصة ريف حماه وطرطوس، فقد استغل الفلاحون المواسم تجهيزاً للشتاء القاسي فرجعت العادات القديمة، كتجفيف ثمار التين والبامية واليقطين بتعرضها لأشعة الشمس وتخليل الخيار والفليفلة والاستفادة من ثمار البندورة لتجهيز رب البندورة، وكذلك الاستفادة من الأبقار لتجهيز السمنة والشنكليش والكشك المكون من ( برغل ولبن) وغيرها من استغلال الموارد لأقصى حد تجهيزاً للشتاء القادم.
بالورقة والقلم
أما فيما يخص المدارس، فأصبحت تكلفة الطالب الواحد أكثر من مليون ليرة بين لباس وقرطاسية رغم أن التعليم لا يزال (مجانياً ) في المدارس الحكومية فثمن أي بوط صناعة وطنية بين مئة وخمسين ومئتين وخمسين ألف وسعر البنطال المدرسي حوالي مئتي ألف وثمن القميص يتراوح بين مئة وخمسين ألف وثلاثة مئة ألف ليرة سورية أما سعر القرطاسية فسعر الدفتر بين عشرة آلاف وأربعين ألفاً وثمن دفتر الرسم بين عشرة ألاف وعشرين ألف وثمن علبة الألوان الخشبية عشرة ألاف وثمن أسوأ قلم رصاص أو حبر ثلاثة ألاف ليرة.
سامر أب لأربع بنات صغار، الكبيرة صف ثالث والثانية صف أول والثالثة أربع سنوات ونصف والصغيرة أقل من عام، حدثني كيف يعمل ليلاً نهاراً حتى يؤمن احتياجات أسرته وأجار البيت، والديون تلاحقه. أخبرني أنه قرر مجبراً حرمان ابنته ذات العمر أربع سنوات ونصف من الروضة هذا العام، بسبب زيادة أقساط الروضة الخاصة في ريف طرطوس إلى أربعة ملايين سنوياً وعدم قدرته على الدفع.
بينما زينب وهي أم لثلاثة أطفال (مطلقة) تسكن عند أهلها تخلت عن حقها في حضانة أبنائها لصالح طليقها لأنها غير قادرة على تحمل مصاريف تعليمهم وإطعامهم فالنفقة التي قررها القاضي (خمسون ألفاً لكل ولد ) قليلة جداً في ظل الارتفاع الكبير للأسعار.
كذلك الأسر التي ترعى أطفالاً من ذوي الإعاقة معاناتهم مضاعفة مع ازدياد أقساط الجمعيات التي ترعى أطفالاً من ذوي الإعاقة الفكرية في ظل غياب الدعم الحكومي والمجتمعي لهذه الجمعيات.
حدثتني إحدى الأمهات من الريف أنها لم تعد تذهب بابنها الذي يعاني من توحد شديد إلى الجمعية بسبب التكلفة الكبيرة بين أقساط ومواصلات وأضافت بحرقة (أنا بقدمله نور عيوني بس والله وضعه ما عم يتحسن ليش العذاب بهتم فيه بالبيت، والحمد لله على كل شيء).
صاحب إحدى المكتبات حدثني أن الإقبال على شراء اللوازم المدرسية لا يزال معدوماً، فالناس ينتظرون أن تفتح المدارس أبوابها، فقد يقوم بعض الميسورين وفاعلي الخير بتوزيع قرطاسية و حقائب على الطلاب في بعض المدارس كما يحدث كل عام.
ما يؤرق السوريين حقاً ليس فقط الظروف الصعبة التي يعيشونها، بل انعدام الأفق لحلول تبدو قريبة، الجميع مقتنعون بفكرة أن القادم أصعب من الناحية الاقتصادية.