وسيم كناكرية
شيخ؟ رجل مبروك؟ بطل خارق؟ عازف؟ شحاد؟ عاجز؟ كلها صور تجول بفكر معظم الأشخاص الذين يروني بالطريق أو يعرضون عليّ المساعدة لعبور الشارع. في مقابل هذه الصور ذات البعدين واللونين مع كثير من الاختصارات، يجول بفكري سؤال: “يا ترى” من يرسم هذه الصور النمطية ومن يقوم بتعليقها على صدورنا، أحياناً كأوسمة… ومعظم الأوقات كـ “وصمات”؟.

صوت بلا صورة.
لم تمنعني إعاقتي البصرية من أن أكون عاشقاً للدراما والأفلام السينمائية، وأن أتابع عدداً جيداً من الأفلام والمسلسلات العربية والكثير من الدراما والسينما الأجنبية، مما يثير الاستغراب عند معظم الأشخاص، ويدفعهم للسؤال: “شلون بتشوف الأفلام؟”. وهنا أبدأ بمحاضرة كاملة عن أن الأفلام والمسلسلات تتكون من صوت وصورة وبأغلب الأحيان يكون الصوت وحده، من حوار بين الشخصيات أو صوت التحركات والمؤثرات أو الموسيقا التصويرية، كافياً لفهم ما يجري. وفي الحالات المتطورة تكون الأفلام أو المسلسلات موصوفة صوتياً وبدقة عبر إضافة شرح للأحداث والمشاهد الهامة التي تجري.
المشكلة من وجهة سمعي.
كان ظهور شخصية (صطيف) الأعمى صادماً لكل ذوي الإعاقة البصرية من جهة وللمجتمع من جهة أخرى. فمجتمع عاطفي لم يتحمل فكرة أن شخصاً أعمى ومبروكاً يقتل زعيمهم، وهم بلا حول ولا قوة تجاهه، فما كان منهم سوى أن ينتقموا لأقرب شخصية تمثل (صطيف) من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية ليصبوا جام غضبهم عليهم، فأصبح من الطبيعي في تلك الفترة أن نمشي ويتبعنا العديد من الأطفال، وهم يهتفون (وحدوه) أو يمر بنا شخص مبادراً بسلام تهكمي قائلاً (مرحبا صطيف)، وللأسف هذا الظهور الصادم لم يكن متكافئا بين الطرفين، فصدمة المجتمع انتهت مع الجزء الثاني من (باب الحارة) بمقتل (صطيف) وصدمتنا بقيت حتى الآن. بحثت عن أمثلة مشابهة لصطيف في الدراما الغربية فوجدت بطل عالم مارفل، الكفيف (دير ديفل)، والذي كان بطلاً خارقاً يحارب الجريمة ليلاً ويزاول مهنة المحاماة صباحاً، ووجدت (كاين) بالجزء الأخير من (جون ويك) وهو لم يكن أقل “خارقية” من (دير ديفل) ولكنه كان قاتلاً مأجوراً. ربما يكون المشهد القاسي والذي كان يلامس الواقع بفجاجته هو في مسلسل الفتية بجزئه الثاني عندما كان الكفيف (بلايند سبوت) يحاول الانضمام للأبطال السبعة فيقابله (هوم لاندر) وهو شبيه لسوبر مان في هذا المسلسل ويطري عليه معجباً بتغلبه على إعاقته، من ثم يضرب كفيه ببعضهما ليصدر صوتاً قوياً يصمّ فيه آذان الكفيف من ثم يقول (والآن، أنت كأيّ كفيف آخر بلا فائدة).
انتقلت للأفلام العربية فوجدت عادل إمام في فيلم أمير الظلام بشخصية (سعيد المصري)، الكفيف الخارق الذي يستطيع فعل أي شيء طالما هو عادل إمام، فتراه يقتل ويحرق ويقود طائرة ويحبط عملية اغتيال، ولكنه عندما يشعر بالعجز، يقول إنه لا يرى ويطلب أن يعود إلى دار المكفوفين.
من ثم وجدت (نعناعة) بفيلم صباحو كدب، وهو الكفيف المغفل الذي لم يوفر القائمون على العمل موقفاً للسخرية من إعاقته، فتارةً تراه يدعي أمام صور يعتقد أنها لأمه وأبيه، وتارةً، يقابل الراقصة على أنها ممرضة، وتارةً يتعثر ويصطدم بالجدران. كل ذلك يهون في سبيل إضحاك المشاهد. لكن، بعد أن ينتهي الضحك، ويغلق المشاهدون شاشاتهم، فإن مشاهد كهروب الأطفال من حصته دون علمه، واقتناعه بأنه سافر مسافة طويلة بوقت قصير، هي مشاهد لا تعزز صوراً نمطية فحسب، بل تصدر صوراً سلبية عن ذوي الإعاقة البصرية.
بالعودة للدراما السورية، وجدت عميان سيدي خالد بمسلسل وادي السايح وهم كما وصفهم المسلسل (شيوخ سلتة)، كل ما عليك هو رؤيتهم وهم يدخلون بعصيهم مرددين بصوت عال (الله، الله) بحثاً عن الوليمة، فيما مضيفهم يدعو عليهم بصوت عال، وهم يأكلون ولا يعيرونه اهتماماً. أعود إلى ما بدأت. إلى مسلسل باب الحارة، فأجدهم أعادوا تجسيد شخصية الكفيف بصورة نمطية أخرى، وهي الشيخ فهمي الذي لا يستطيع السيطرة على طلابه في الكتّاب، ولكنه بقدرة خارقة يستطيع لعب الدحل والفوز.



كوميدية بيضاء لطرف وسوداء لطرف
عندما صوّر فيلم Dumb and Dumber (غبي وأغبى) مشهد اصطدام السيارات بسبب سوء قيادة لويد، لم يكن بوسعنا إلا أن نضحك وهو يقول لماري أن هناك الكثير من السائقين السيئين، ولكن الشيء الذي غاب عنا هو مصير من هم في تلك السيارات. هل ماتوا؟، هل أصيبوا بإعاقة ما؟ هل يعلم القائمون على الأعمال الفنية الأثر النفسي الذي يخلفونه وراءهم أم أنه غير مهم مثل مصير ضحايا حادث الاصطدام الذين تركوا بلا أسماء أو وجوه أو حياة، مقابل الضحك؟.
لم يبخل عليّ الفيلم بالإجابة. فقد ظهر لويد وهو يضحك بعد أن باع بطاقات بيسبول وكيس دحل و(بيتي)، العصفور منزوع الرأس، لجارهم الطفل الكفيف (بيلي). ومن ثمّ ننتقل لمشهد كوميدي جديد، لنرى الطفل بيلي يربت على العصفور الذي تم إلصاق رأسه بجسده بواسطة شريط لاصق. ضحك كثيرون على هذا المشهد، ولكن هل فكروا بالأثر العميق له؟ هل عرفوا خطورة أن يشاهد طفل هذه المشاهد فتصبح طبيعية بالنسبة له، ليكون لدينا ضحيتين الأولى طفل بريء شاهد عميان سيدي خالد أو صطيف الأعمى أو نعناعة أو لويد فأصبح التنمر أو الاستغلال شيء طبيعي بالنسبة له، لا وبل إيجابي، ومن الممكن جداً أن يذهب إلى أصدقائه ليقص عليهم ماذا فعل بطفل أو شاب كفيف ليضحكوا سويّة على هذه الضحية الثانية التي سينتهي ذكرها مع انتهاء الدعابة، ولن يلتفت أحد للآثار السلبية على مشاعر هذا الشخص، والتي بغالب الأحوال، ستكون مدمرة لعالمه النفسي والداخلي. كيف يمكن أن أقنع شخصاً شاهد كل هذه المشاهد أن دعابة صغيرة كهذه لا تتجاوز الثواني المعدودة من شأنها أن تؤثر على مستقبل إنسان بشكل كامل؟ من سيقنع هذا الطفل الذي تم التنمر عليه أن العالم خارج جدران منزله آمن؟ أو بالحالات الأصعب، من سيضمن أن يبقى العالم داخل جدران منزله آمن في حال شاهد اخوته الصغار أو الكبار المشاهد نفسها؟.

من نحن؟
بعد كل هذه الشخصيات، سألت نفسي إن كان من الطبيعي تصوير الإعاقة البصرية بهذه الصورة لمجرد صنع الكوميديا وحسب؟ وهل اللوم يقع على شركات الإنتاج التي سمحت بتصدير هذه الصور أم الممثلين الذين قبلوا بلعب هذه الأدوار؟ أم هل اللوم يقع على الإنسان الذي شاهد هذه الأعمال واستنتج أنها تعكس مواقف حقيقية وتختصر حياة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، أم علينا كأشخاص ذوي إعاقة بصرية بأننا لم نقم بأي خطوة ضد هذه الأعمال واخترنا الصمت؟
تمنيت جداً أن أجد عملاً يمثلنا كمكفوفين كما تم إنتاج أعمال تمثل أمراضاً وإعاقات أخرى لنشر الوعي وكسر الصورة النمطية عنهم. ومازال عليّ أن أشرح لكل شخص أراه أني إنسان، لا فرق بيني وبين أي إنسان آخر. فكوني لا أرى، هذا لا يعني أن أكون بطلاً خارقاً وأحارب الجريمة مثل دير ديفل، أو أكون قادراً على سماع صوت نبضات قلب من في الغرفة، أو أن يوجد في نهاية العصا البيضاء الخاصة بي نصل حاد مثل كاين، كما أني لست بلا فائدة مثل بلايند سبوت كما يعتقد هوملاندر بعد أن أصابه بضرر في أذنيه، كما أنني لست كعادل إمام أمير للظلام وأصدقائي ليسوا عاجزين، ولا مغفلاً مثل نعناعة، ولست شيخ سلتة كل همي الطعام حتى ولو كان ذلك على حساب كرامتي، ولا شيخاً يلعب الدحل مثل فهمي، وبالتأكيد لست أعمى مبروكاً يجوب الحارات بعصاه مردداً وحدوه مثل صطيف الأعمى. بل أنا إنسان لي كياني ولي سلبياتي وإيجابياتي كأي شخص آخر.