خليل سرحيل
لم يكن الزلزال الثاني مدمراً أو قاتلاً كالأول، لكن لسبب ما كان له بصمة مخيفة. وبينما أعرف الكثيرين من ذوي الإعاقة الذين اختاروا البقاء في أسرتهم المتأرجحة خلال الزلزال الأول. فإن ذلك تغير مع لحظة الرعب التي أتى بها الزلزال الثاني، ليذكرنا أن حصة الموت السورية لم يجر تسديدها بعد. في الزلزال الاول كان البيت لذوي الاعاقة هو جنة وفي نفس الوقت هو الجحيم.. لكن أين المفر الآن؟
على وقع التكهنات بمواعيد الزلازل القادمة، بدأ السوريون بوضع خطط نجاة جديدة، حقائب تحوي بعض الماء وبعض المعلبات، أوراقهم الرسمية، مستندات الملكية التي تشترطها الحكومة لدعم متضرري الزلزال، قطعة الذهب الوحيدة المتبقية بعد أن جاءت حرب عشر سنوات على الأخضر واليابس والذهبي. بالنسبة لذوي الإعاقة، فإن حقيبتهم فارغة إلا من بعض رغبة في النجاة، رغبة في الحياة.
مع استمرار الشائعات أن الزلزال الثالث قادم في الأيام الأولى من شهر آذار، يبدو الفرار مهمة يومية، فرار أشبه بالنزهة الحزينة… خروج جماعي إلى الحدائق والشوارع، عوائل كاملة من أطفال ومسنين على كراس أو عكاكيز يتجولون خائفين وخجلين من أنفسهم لسبب غير مفهوم.
كيف نكتب خطط نجاتنا؟
أعتقد أن ذوي الاعاقة وبحسب خبرتهم بالنجاة، فهم دائماً ما يفسحون المجال لغيرهم باعتبارهم أحق بالحياة، واعتبار أنفسهم شيئاً لاحقاً أو ثانوياِ. يسكننا رعبنا الأكبر أثناء الزلازل والحروب والكوارث، أن تسبب محاولة إنقاذنا أذى لغيرنا.
تتغير فكرة الخوف عند الإنسان وتتبدل وتأتي بألوان جديدة. في السابق القريب، كانت الشوارع مصدراً للخوف والموت من الرصاص والقذائف. يومها، كان الأمان والدفء موجوداً فقط في المنازل.
اليوم، ربما أصبح الأمان في الشوارع وعلى الإسفلت، وأصبح البيت هو الكفن والتابوت، تابوت للجثث والذكريات، لكن في الحقيقة، لا مكان آمن في بلدي، يتساقط كل شيء من فوقنا ومن تحتنا.
خلال كل هذه السنين، كانت ولا تزال أعداد ذوي الاعاقة تزداد وتختبئ في البيوت وخلف الأبواب المغلقة. الزلزال اليوم، أجبر الجميع على الخروج، وهاهم ذوو الإعاقة يخرجون من مخابئهم وغرفهم المعتمة، تستطيع رؤيتهم اليوم تحت الضوء، وفي الشوارع التي تنبذهم: أعداد هائلة من الكراسي الصدئة، دواليب تتعثر على الأرصفة التي يصعب المشي عليها من الأصحاء، عكاكيز مهترئة تلمع تحت الشمس، ومكفوفون يخافون الضياع ويطلبون القليل من الهدوء، وأطفال من ذوي الحاجات الخاصة، خائفون يتشبثون بأيادي أمهاتهم الخائفات أيضاً.
بالنسبة لي ولغيري من ذوي الإعاقة فالسير في الشوارع لا يقل خطورة عن الزلزال الحقيقي، لما نواجه فيها يومياً من عوائق هندسية ومجتمعية. فالرصيف العالي يقتل، والأبنية ذات الأدراج تقتل، وغياب الكهرباء يقتل، والحمامات العمومية غير الموجودة تقتل، والجهل بالقضية يقتل، وغياب القوانين وتطبيقها يقتل.

كلنا نعرف أن نسب الإعاقة كبيرة جداً قد تصل إلى 27%، لكن عندما ترى هذا الرقم متمثلاً أمامك ببشر من لحم ودم، يصبح له معنى آخر. رقم كبير وهائل لكنه مليء بالرغبة والطاقة بشكل غرائبي عصي عن التفسير. هذه الملايين التي لا يراها أحد تريد ما يريده الجميع، نريد أن نشعر بالخوف وأن نضع خطتنا الفردية الخاصة في الكوارث لا نريد أن نكون عائقاً، ولا أن يموت أحد وهو يحاول إنقاذنا. نريد فرصة متساوية وعادلة بحقنا في الحياة ولا شيء آخر. نريد أن نحيا كما الجميع، وان نعاني مثلهم أيضاً، لا أن نوضع على اللوائح وبين القوانين وتحت الأرصفة كأشياء زائدة نتسول من الشمس ما هو لنا، ومن التعليم ما هو لنا، ومن العمل ما هو لنا، نتسول حقوقنا التي لا يعرفها أحد لكنها موجودة في كتاب ما.
لا أعرف إن كان بإمكاني تسمية هذا بمقال أم صرخة للنجدة، بلدي منكوب بأشخاصه الأصحاء، منكوب ولا أحد يرانا نحن من أصبحت النكبات في يومياته أسلوب حياة، نحن من نعيش في الظل والصمت والعتمة… والألم.