الإرادة

حمص .. شرق حلب غرب جرابلس

عبد الكريم عمرين

لم تنزح ساعة حمص الجديدة، كما عشرات الآلاف من النازحين الحمامصة الذين تركوا ديارهم بسبب القمع الأسدي ومعتقلات الاستبداد التي كانت مقابر للسجناء السوريين دون أكفان أو تراب يغطي أجسادهم بعدما لفظوا أنفاسهم.

ساعة حمص الجديدة التي قدمتها لمدينتها حمص المغتربة المسيحية كرجية حداد، صارت رمزاً لمدينة حمص وأحد أشهر معالمها الوطنية، ومذ ذاك، صار الحمصي يحمل في قلبه تلك الساعة أنّى حلّ وارتحل. وشرق حلب، غرب جرابلس تدفق النازحون وافترشوا الأرض، ثم قدمت لهم لقيمات تهزم جوعهم بصعوبة ووبعض الخيام لتقيهم حر الشمس وبرد الشتاء.

من هؤلاء النازحين جلس علي أبو محمد على صخرة حين وصوله، كان تعباً رغم شبابه الذي تجاوز العشرين من عمره، مسّد علي رجله اليسرى فقط، فلم يكن لعلي سوى رجل واحدة، فقد فَقَدَ رجله اليمنى جراء قذيفة من قذائف النظام الأسدي التي كان يطلقها بين فينة وأخرى على حي الوعر المحاصر، وفي المشفى الميداني، ثم مشفى الوليد بترت قدمه، لا لم تبتر، بل تخلص الطبيب الجراح من الجلد الرقيق المتبقي والذي كان يصل قدمه بجسده، ولم يكن في الإمكان أفضل مما كان، تحت القصف وغياب الكهرباء كلياً، وغياب الأجهزة اللازمة والخيوط  الجراحية، وفقدان الدواء.

في التسوية التي نفذت بين أمن النظام وفصائل المعارضة المسلحة في الوعر، غادرت الفصائل والكثير من العائلات حمص في الباصات الخضر، لينتشروا في أرض الله التي ضاقت عليهم بما رحبت، وكان علي مع عائلته من المهاجرين أو النازحين الذين كان نصيبهم في نزوح لا إنساني كسرة أرض تقع ما بين شرق حلب وغرب جرابلس، فهناك أقيم ذاك المخيم الذي سمي بمخيم زوغرة، وسكنه النازحون من الوعر، ثم أتى نازحون من غوطة دمشق ليشاركوهم العيش واللقمة والأمل بسقوط النظام الأسدي.

وفي مخيم زوغرة تزوج علي، وكان عرس العريس الحمصي في ساحة الساعة الجديدة في مخيم زوغرة، ساعة كرجية حداد ابنة حمص الأصيلة. وأنجب علي ابنه البكر محمد وأتبعه بولد ثان. عند ساعة حمص في مخيم زوغرة، كانت تعقد الاجتماعات، وتقام المناسبات بشقيها الحزين والمفرح, وكان سكان المخيم يعقدون حلقات النقاش، ويتبادلون الأخبار المتعلقة بتطورات الأحداث في سورية وأخبار الأهل ممن بقي في حمص.

ضم المخيم 2000 عائلة من النازحين، عانت ما عانته من جوع وبرد ومرض، لكنها اغتنت بالحلم الأمل، حلم سقوط الأسد وأمل العودة، وقد تحقق هذا الأخير فقد عاد الكثيرون إلى حمص، وبقي الكثير منهم في المخيم، لا يستطيعون العودة لقلة المال، فهم لا يملكون أجور نقل عفشهم وأجور نقلهم، حتى تداعى أهل الخير من أغنياء الحمامصة، وقدموا وعلى نفقتهم الخاصة للنازحين البولمانات، لنقلهم وسيارات الشحن لنقل عفش بيوتهم، فعاد أكثر من 500 عائلة حمصية إلى ديارهم، وآخر دفعة وصلت إلى حمص كانت في 6/3/2025 ضمن قافلة العزم، وعدد العائلات فيها 57 عائلة، وعدد الشاحنات 21 شاحنة. وبقي في المخيم 350 عائلة لا تريد العودة حالياً لارتباطها بأعمال زراعية وتجارية في جرابلس وحلب.

تلك هي حكاية حمص شرق حلب غرب جرابلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *