عبد الكريم عمرين
قبل أذان العشاء، بدأ المؤذن أبو أسعد بالتذكير، انطلق صوته متهدجاً مضيفاً إلى الليل البهيم الذي غاب عنه القمر شيئاً من المهابة والخشوع.
– يااااااارب.
حاول أبو أسعد أن يلوّن، ويلجأ إلى التطريب في حرف الألف لكلمة يا رب، لكن صوته بدا متعباً، وزفير رئتيه بدأ يتقطّع، ويصدر أزيزاً مسموعاً.
– يا رب هيئ لنا من أمرنا رشداً…

بدأ أبو أسعد يخرج عن نغمة الصَبَا، وحبس دمعة مكتومة، ذهبت بصوته إلى مقام غنائي آخر. وداخل غرفة الأذان الصغيرة كان الرجل يستند بيده اليسرى إلى الحائط، ويضم بكفِّه اليمنى أذنه بوضعية مناسبة تسمح له أن يسمع صوته مُفخماً لارتداد صدى صوته في أذنه، وهذا يساعده على تجويد أدائه، لكن محاولته باءت بالفشل هذه المرة. ورغم أن أذان جامع سيدي خالد بحمص مميز جداً، ففيه دفء ونداوة وشيء يشبه السحر، شيء يشدك إلى الفطرة الأولى، ويأخذ بك إلى رومانسية دينية، سمها إن شئت تصوّفاً في عتباته الأولى، أو تذوقاً روحياً تمهيدياً، يشبه إلى حد بعيد أصوات الآلات الموسيقية التي يضبطها الموسيقيون، قبل البدء بعزف سيمفونية جليلة، تذهب أنت إليها قبل أن تأتي إلى روحك، أو تسمعها كأنك أنت المؤلف وقائد الأوركسترا والعازف والجمهور المحتشد، رغم ذلك بدا أداء أبي أسعد نشازاً فجاً. واستبد به دوار خفيف وغبش في عينيه فصمت قليلاً ليسترد أنفاسه.
بكت النساء في بيوتهنَّ حين سمعنَ أبا أسعد، وحوقل الرجال واحتسبوا لله، واقتعد الأولاد يقرؤون المعوذتين وآية الكرسي بأوامر من أمهاتهم.
تابع أبو أسعد بصوت واهن مخاطباً الله باستسلام وأمل: “واجعل معونتك العظمى لنا سنداً”.
توقف أبو أسعد عند هذا المقطع مرات عديدة، وكرَّر “معونتك العظمى” عدة مرات، وسُمع نشيجه عبر مكبرات الصوت المثبتة على مئذنتي المسجد.
– واجعل معونتك العظمى ااااا، لنااااااااااا سنـــدااااا…
لم يستطع المؤذن أن يكمل التذكير المعتاد، وهرب سريعاً إلى التكبير مبتدئاً بأذان العشاء قبل دخول الوقت بخمس دقائق.
جاء المصلون إلى المسجد، توافدوا من كل أحياء حمص، ودائماً يأتي الكثير من الحمامصة ليصلوا في مسجد خالد بن الوليد، فالصلاة فيه، فيها بركة وروحانية كما يقولون، وكثيراً ما يتقصَّد الحمصي أن يذكر في حديثه أنه صلى في جامع سيدي خالد، هم لا يقولون مسجد خالد بن الوليد، حتى الكثير من الحمامصة في الأحياء المسيحية يقولون عنه جامع سيدي خالد.
وفي الحديقة الواسعة المحيطة بالجامع وقف شبان وفتيان وفتيات ونساء، ومنهم من اقتعد داخل الحديقة، لم يدخلوا للصلاة، بل كانوا على موعد للقيام بمظاهرة إثر مجزرة الساعة الجديدة التي نفذتها القوات الحكومية بحق المعتصمين ليلة 18 نيسان 2011، واستشهد فيها حوالي 300 معتصم.
كرنفال حقيقي وجميل خارج المسجد، خلية نحل تعمل بجد وحب وفرح، كانوا يجهزون الأعلام واللافتات واللوحات الكرتونية التي تندد بالقتل وتحرّم الدم بين السوريين، وتدعو للحرية، وينتشرون فرادى وجماعات، يضبطون جوالاتهم للتصوير، وهناك عند النصب التذكاري كان ثمة شباب وصبايا يجهزون للبث الفضائي عبر السكايب لقناة الجزيرة. والبعض تحلق حول عبد الباسط ساروت وفدوى سليمان. وعلى يسار الباب الرئيسي للمسجد تحلق الكثير من الشباب والصبايا حول شاب كان يوزع عليهم الشال أو الشماغ لكي يخفي المتظاهر أو المتظاهرة وجهه خشية الانكشاف على رجال الأمن، وأكثر من كان يخفي وجهه هم أولئك الشباب والصبايا الذين قدموا من الحارات المسيحية والموالية.
في الداخل أقيمت صلاة العشاء، وتقدم الإمام إلى المحراب، وقف فيه وتمتم بدعاء ما ثم التفت إلى اليمين نحو المصلين الذين كانوا يتراصفون ويرصُّون الصفوف ويغلقون الفُرَج..
– استووا إلى الصلاة…
وتبسم الإمام على غير عادته وقد لاحظ البعض ذهاب وقاره كلية. ثم التفت إلى يساره نحو المصلين وأردف:
– يرحمني ويرحمكم الله…
لم يتمالك الإمام نفسه فصار يضحك، ثم التفت يمنة ويسرة بحب وكرر في كل التفاتة:
– المسجد بوجودكم صار أحلى، وأبهى، أهلاً وسهلاً بكم إخوة أعزاء…
ضجَّ المسجد بالضحك والقهقهة، بسبب أن الكثير من الشباب المسيحي دخل يصلي العشاء، ونسي أن يخفي الصليب المعلق في الرقاب. أبو أسعد المؤذن لم يضحك، بل أطرق وابتسم ومنع دمعه من الانحدار على خديه. كبَّر الإمام التكبيرة الأولى وقرأ الفاتحة وأتبعها بآيات طويلة من سورة مريم كرمى للضيوف الشباب الذين التمعت صلبانهم الصغيرة على صدورهم.
انتهت صلاة العشاء، وفور انتهائها هدر المسجد كله:
– لا إله إلا الله. لا إله إلا الله. حرية. حرية. حرية. حرية…
وردّ من كان ينتظر خارج المسجد بعد أن سمعوا أهل الداخل يهتفون:
– حرية للأبد غصب عنك يا أسد..
وبلحظة واحدة ارتفعت الأعلام واللافتات واللوحات الكرتونية وارتفعت قبضات الأيادي وانقذفت إلى أمام ووراء بالتزامن مع إيقاع الهتاف الذي شق عنان السماء.
خرج المصلون إلى المظاهرة وبقي في المسجد الإمام ورهط من كبار أهل حيّ الخالدية وبعض مرافقي الإمام، مع أبي أسعد المؤذن…
– يا أبا أسعد نعرف ما بك، وقلوبنا معك. هذا أمر الله وتقديره، وأنت إنسان مؤمن. لا تعترض على حكم الله بحزنك. خاطب الإمام أبا أسعد.
– الله يرحمه، راح شهيد، هلق بكون قاعد بالجنة مع الحوريات. لك شو بدك أحسن من هيك أبأ أسعد؟! قال له أبو صبري المتزوج من أربع نساء متلمظاً.
– نقدر أنك أب، وأسعد والله زينة الشباب. خاطبه الأستاذ عبد الجليل مدرس التاريخ المتقاعد.
– المكتوب ما منه مهروب شيخي، إي أنا امبارح، بذات اليوم اللي استشهد فيه أسعد، الله يرحمه، راح لي زوج حمام بربريسات بياخدوا العقل. والله انشلع قلبي عليهن. إي؟! وشو بعمل يعني؟! بحط الحزن بالجرن؟! قال له أبو سالم الحميماتي.
أمسك الإمام بيد أبي أسعد بحب وقال:
– لذلك رأينا أنا وإخواني أن ترتاح من مهمة الأذان يا أبا أسعد، ريثما يذهب حزنك وتنجلي غمتك.
– ولجنة الحي والأجاويد شايلين إلك هالمبلغ. قال له أبو سمير عضو لجنة الحي والمسجد ودس في جيب أبي أسعد رزمة مال سخية.
تجمد الدم في عروق أبي أسعد، ونظر في الزاوية حيث ضريح الصحابي الجليل، أصابه الخرس والدهشة والعجب وزاده كلامهم حزناً فوق حزن، وبصعوبة قال لهم:
– كثر الله خيركم. حتى الأذان تريدون أن تأخذوه مني؟!. وتقدمون لي صدقة؟!. تريدون أن يغضب مني أسعد؟! الله يسامحكم، الله يسامحكم.
وانطلق سريعاً وغاضباً إلى بيته…
– أبو أسعد، يا أبو أسعد. نادى مدرس التاريخ.
– لك يا شيخي وين روحت؟ قال له أبو سالم الحميماتي.
– لك والله من أجل أن ترتاح، مو أكثر. رفع صوته أبو سمير.
– الله يفرج همك. قال الإمام.
– ابنه أسعد الله يرحمه وحيد على سبع بنات، وأبو أسعد كان شايف الدنيا من ظهر ابنه يا زلمة، مع عدم المواخذة شيخي. شرح لهم أبو صبري أبو أربع نسوان.
شقَّ أبو أسعد طريقه وسط المظاهرة الملتهبة، أخذه الشباب، رفعوه على الأكتاف، وصرخ شاب قبالته كان مرفوعاً على الأكتاف من قبل:
– كلنا أسعد، كلنا أسعد.
وهدرت المظاهرة وراءه..
– كلنا أسعد، كلنا أسعد.
– ع الجنة رايحين، شهداء بالملايين. هتف الشاب وهتفت الحناجر من ورائه.
– حرية، حرية، حرية… هتف الجميع.
تمتم أبو أسعد بكلمة حرية، صوته الضعيف الواهن شارك الجمع بالنداء، المطلب، الحلم. وصار يبكي، لم يُعرف سبب بكائه، أهو الحزن على فقده ولدَه؟ أم هو الفرح للإرادة الجديدة عند الناس؟ إرادة قوية واضحة وصريحة وصحيحة القول والفعل، ولم يعرف أي من المتظاهرين سبب بكاء المؤذن. البعض سمى بكاءه بكاء الجوكندا، كتشبيه لابتسامة الجوكندا المحيرة، والبعض قال إن بكاءه بكاء الفرح لأن الناس قامت وصرخت في وجه الاستبداد، وفسر البعض بكاءه حزناً على ولده أسعد شهيد الحرية عند الساعة الجديدة.
في اليوم التالي، عند صلاة الصبح، تساءل أهل الحي عن سبب غياب أبي أسعد عن الحضور إلى المسجد، وقرروا أن يذهبوا لزيارته بعد الصلاة..
لكن المؤذن.. كان.. قد.. مات.