مياس سلمان
منذ ستة أشهر لم أزر مدينتي طرطوس رغم أنني أسكن في ريفها. بعد سقوط النظام لم أشاهدها إلا على منصات التواصل، تارة تحتفل بمسيرة مؤيدة للثورة هنا، وتارة ترى مظاهرات الاحتجاج على تسريح الموظفين أو للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين من الجيش السابق. وقبل أيام حصلت مشاكل ومشاحنات بين مناصري الثورة ومحتجين على فصل الوظائف. أشعر أن لا شيء فيها يشبهني ويغريني، أبحث داخلها عن حراك مدني حقيقي إنساني يشبهني لكن دون جدوى. نقرأ عن المحاضرات والندوات والورشات التي تغلي في العاصمة، دمشق. نبدو نحن سكان المحافظات البعيدة، كأننا نعيش على كوكب آخر. كوكب أكثر حزناً وأقل أحلاماً.

أكثر من تعارف
عرفت مصادفة أنه ثمة فعالية ستقيمها التجمعات المدنية للقاء ابن طرطوس الفنان التشكيلي (سليمان دكدوك) العائد بعد 37 عامًا من الهجرة، للحديث عن حقول التضامن في اليونان، وكيف ساهمت بتخفيف معاناة اللاجئين السوريين، وعرض فيلم قصير عن التجربة. بصراحة، ككثير من السوريين الذين لا يعرفون بعضهم البعض، لم أكن أعرف الفنان ولا سمعت بأي من التجمعات المدنية الثلاثة التي دعت للفعالية (شبكة مسارات مدنية، الحركة المدنية الديمقراطية، تجمع سورية الديمقراطية). انتابني فضول ورغبة كبيرة لسماع قصص وتجارب كنا معزولين عنها، وتقريباً، كان ممنوعاً علينا الاحتكاك بها والتعرف من خلالها إلى “سوريين آخرين”، يشبهوننا “حتى النخاع”.
كان مكان اللقاء في كرم كافيه في منطقة المشبكة، تلك الكافتيريا التي كانت تسمى سينما السبع. فالسينما في تلك البلاد المتعبة خف بريقها. كان موعد اللقاء الثالثة والنصف من يوم الأحد 16/2 يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لي، فاللحاق في الشتاء بآخر سرفيس إلى قريتي بعد الرابعة والنصف صعب جداً، ولكنني قررت الحضور. وصلتُ طرطوس كان الطقس جميلًا جداً، مشمساً ودافئاً عكس أيام البرد السابقة.
قبل الثالثة بقليل توجهت إلى مكان السينما. لم أعد أخشى الظهور في أماكن لا أعرف أحداً فيها. كان موقع السينما في الطابق الثاني أول شيء أثار تفكيري، أربعون درجة ستصعدها للوصول. فالشخص على كرسي متحرك لن يستطيع حضور الفعالية. دخلت من الباب عرفت بنفسي للقائمين على الفعالية قطعتُ تذكرة ودخلت. كانت الصالة مستوية وليست مدرجات، تضم حوالي خمسين كرسيًا. رأيت الفنان سليمان ومجموعته يتبادلون الحديث. ذهبت كشخص متحفز للحضور ألقيت السلام وعرفت بنفسي وعن رغبتي بحضور الفعالية. كان إنساناً بقمة التواضع، يستمع أكثر مما يتكلم. ثم بعدها جلست على كرسي في الصفوف الأخيرة.
بدأ الناس يتوافدون وأصبحت الصالة مكتظة. الجميع أخذ موقعه. نظرت إلى الحضور بعض كبار السن وبعض الشباب. بعض النساء محجبات وبعضهن دون حجاب شعور غريب بالترقب وابتسامات تعطى بحب للغرباء. هنا الجميع سوريون يريدون التعرف على تجربة إنسانية ملهمة.

أكثر من تضامن
بدأ الأستاذ سليمان حديثه بالتأكيد أن هدفه كان أن يقدم شيئاً للإنسانية خاف أن تكبر ابنته وتسأله ماذا قدم فلا يجد جوابًا. وأضاف بدأت الفكرة مع بداية عام 2015 عندما سمحت تركيا لأعداد كبيرة من الناس بالسفر إلى أوربا للضغط على الأوربيين من أجل زيادة المساعدات، فجاء الآلاف عبر قوارب الموت غير المجهزة. “هنا قررنا أنا وبعض السوريين ألا نقف مكتوفي الأيدي، كنا نساعد أي سوري يصل اليونان لكن كانت الأعداد قليلة وضمن السيطرة”.
ويضيف كانت أرقام القادمين مرعبة ويحتاجون استجابة سريعة من طعام ومأوى ودفئاً. حاولنا الضغط على الحكومة اليونانية التي كانت تريد وضعهم في مخيمات معزولة، ولكن أردنا لهم أن يكونوا ضمن المجتمع اليوناني الذي لم يتقبلهم بسهولة بسبب سياسة الإعلام الغربي التي كانت تصور أن قدوم اللاجئين سيشكل خطراً كبيراً على السكان الأصليين.
ثم بدأ عرض الفيلم والمكروفون بيد الأستاذ سليمان يشرح قائلاً: “كنا نستقبل اللاجئين من لحظة وصولهم لدوافع إنسانية، لا يهمنا من أي منطقة من سوريا، وحتى لا يهم إن كانوا سوريين. ثم ننقلهم إلى أبنية وبنايات مهجورة ضمن التجمعات ويصبح وجودهم أمراً واقعاً. ثم تعترف البلدية بوجودهم. نقوم من اللحظة الأولى بإشراكهم بعمليات إصلاح المباني بالحد الأدنى لتصبح مقبولة للسكن كان عددهم مع نهاية عام 2015 حوالي 12500 مهجر”.
بعد ذلك بدأت فكرة ألا يبقوا أناساً ضعفاء ينتظرون المساعدات الإنسانية والشفقة من المنظمات التي تتاجر بقضيتهم. ومن هنا بدأ مشرع الحقول التضامنية باستصلاح الأراضي المهجورة وزراعتها. بدأت الفكرة بأربعة دونمات من الأرض وبقرتين وثلاثة أغنام ثم تطور المشروع شيئاً فشيئاً، وهو مستمر ليضم أكثر من مئة هكتار من الأرض وقطيعاً من الأغنام وعدداً كبيراً من الأبقار موزعة على أماكن تجمع المهجرين.
ثم أضاف: “كان المشروع يهدف في البداية إلى نوع من الاكتفاء الذاتي إلى أن تطورت فكرته ببيع المنتجات الزراعية ومنتجات الأبقار ويعود ريع المشروع للعائلات المتضامنة فيما بينهم، كل حسب ساعات عمله واحتياجه. كما تم تخصيص قطعة أرض كمقبرة للاجئين الذين تتحطم مراكبهم ويصلون جثثًا إلى شواطئ اليونان. كانت أعداد كبيرة تصل أحيانًا، ففي يوم واحد تم دفن أكثر من مئة جثة، لأشخاص دون ثبوتيات، لتبقى قبورهم مجرد أرقام. كان الوضع مأسويًا جدًا، ولكن الوضع يتطلب استجابات سريعة ولا بد أن ننجح”.
وأضاف الأستاذ سليمان: “كنت أنظم معارض فنية لا أبيع فيها اللوحات، بل ألجأ إلى المقايضة. فلوحة أضع ثمنها بقرة، أو خروفاً، أو جراراً، أو غيرها من الأشياء التي تفيد المشروع”. وأضاف: “بعد تلك المشاريع تغيرت نظرة الناس للاجئين وأصبحوا يتعاونون معهم ويقدمون لهم المساعدات وسمحوا للأطفال بدخول المدارس اليونانية”. وتمنى الأستاذ سليمان أن تعمم تجربة “حقول التضامن” في سوريا.
حضرت بعض المناقشات وسألته عن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة من اللاجئين فقال: “كان التعامل إنسانياً بحتاً، نقدم لهم الخدمات الإنسانية والطبية والمعالجة الفيزيائية وهم جزء من المشروع”.

أكثر من أحلام
نظرتُ في ساعتي، كانت الرابعة والنصف. غادرت الاجتماع مسرعاً للوصول إلى الكراج وصلت قبل الخامسة بقليل، يوجد سبع ركاب لا يوجد أي سرفيس. الناس تتوافد. الخامسة والربع فقدنا الأمل بقدوم السرفيس. كان العدد أصبح 17 راكبًا. هنا خطرت ببالي المشاريع التضامنية. بادرت يا جماعة، شو رأيكم نفاوض سرفيس على خط تاني يوصلنا؟ نقعد أربعات ونعطي السرفيس زيادة في الأجر؟
الجميع رحب بالفكرة. ذهب شابان فاوضا سائق أحد السرافيس ولم يتفقوا على السعر. سمعهم صاحب سرفيس آخر يملك حساً إنسانياً فقال: “اطلعوا أنا بوصلكم ودفعوا اللي بيناسبكم”. في الطريق إلى بيتي، تنتابني موجة من الأمل، نعم، السوريون يستطيعون ويحق لهم الوصول إلى شاطئ السلامة. الوصول إلى الوطن.