الإرادة

حصة ذوو الإعاقة من المجازر: شهادات عن الموت المجاني

إرغم مرور أسبوعين على مجازر الساحل، ما زالت الأحداث تتكشف عن مزيد من الفظائع، لترتفع أرقام الضحايا إلى 1480 ضحية، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
لم تقم أي جهة حتى الآن بتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها ذوو الإعاقة. وكما هو الحال في مئات المجازر التي حدثت في سوريا على مدار 13 عاماً، فإن ذوي الإعاقة، وهم إحدى أكثر الفئات هشاشة وضعفاً، يدفعون ثمناً مضاعفاً لآلة العنف التي لم تتوقف ضدهم، سواء بالتهميش الرمزي عبر إقصائهم من الحياة العامة، أو بالعنف الجسدي الذي يستهدفهم بسبب ضعف قدرتهم على الفرار أو الدفاع عن أنفسهم.
هذه بعض شهادات ذوي الإعاقة أو أهاليهم عن ثلاثة أيام من الرعب، وثلاثة أسابيع من الصدمة…

مها، قرية الشير- ريف اللاذقية

هربت مع زوجي المقعد على الكرسي المتحرك إلى الأحراش القريبة من الضيعة. تركنا منازلنا مفتوحة، تركنا كل شيء.. كنت أدفع الكرسي بكل طاقتي، لكنه لا يتحرك. صوت الدواليب وهي تصارع الحجارة تطغى على أصوات الرصاص في أذني، فكل أملي أن تدور وتنقذنا. وعندما عدنا في المساء وجدنا 6 من عائلة زوجي مقتولين في مكان واحد وبيوتنا منهوبة وأهالي القرية يتجمعون حول الموتى. أحصينا 40 قتيلاً.

رائدة، قرية الرميلة- ريف جبلة

نزحت مع زوجي وأبنائي وإخوتي إلى منطقة بعيدة في الجبال، وبقينا في غرفة صغيرة جداً، ونحن أكتر من 12 شخصاً. ابني لديه توحد. عادةً، لا يحتمل الأماكن الضيقة. يخاف من الازدحام والأصوات الكثيرة، لكنه هذه المرة، صمت وتكوّر على نفسه. لم يشتك أو يصرخ. كأنه عرف أن خوفنا هذه المرة أكبر من كل مخاوفه. هنالك من لم يستطع الهرب من القرية. عرفت أن جارتي نهى وزوجها لؤي قتلا مع طفليهما زين ومي محفوض. كانت هذه الغرفة تسعهم معنا. لم أستطع أن أقول لهم وداعاً.

فادية- قرية الرصافة، ريف مصياف

شهدت قريتي مقتل سبعين ضحية. لكن الأقسى ربما، كانت رؤية والد أسامة وجابر وهو العجوز فاقد البصر تقريباً يحاول تنظيف الدماء في مدخل البيت وأحفاده يشيرون له إلى مكان الجثث. ذنب القرية أنها كانت نقطة استراتيجية أراد الجميع السيطرة عليها للتحكم بطريق وادي العيون. حدثت اشتباكات عنيفة بين فصائل قادمة من حماة ومسلحين من مناطق مجاورة تجمعوا مساء السادس من آذار بأعداد كبيرة. عشرات المدنيين قضوا بالاشتباكات بين الطرفين، وراح الصالح بالطالح.

سحر، حي القصور- بانياس

ثلاثة أيام وآدم مرعوب. لم ينم ولم ننم. يسألني ماذا يحدث، ولا أستطيع أن أشرح له. لم يكن الهرب أحد خياراتنا فوضع آدم الصحي والتجهيزات التي يحتاجها لا يمكن نقلها بسهولة. وضعنا فرشة قرب الحمام واحتضنته بقوة. كان هذا الممر الضيق البعيد عن الشبابيك أكثر مكان لا نسمع فيه أصوات الرصاص والاشتباكات. الموبايل لا يهدأ.. نشعر أننا نودع بعضنا.. اُطمئن ابنتي في دبي أننا بخير… وانهي المكالمة بسرعة. أخاف أن نُقتل فتسمع أنين أخيها. يغلق زوجي مكالمته ويعدد لي أسماء ضحايا جدد.. نعيد عدهم ونحن لا نصدق.. وصل العدد لمئة.. دخل الأمن العام وهدأ صوت الموت… الله تلطف فينا.

رولا- بانياس حي القصور

كانت أصوات الرصاص تتعالى من كل الجهات. دقّ الباب شخصان من المفترض أنهم يريدون تفتيش البيوت وملاحقة ما تبقى من فلول للنظام … قال لي زوجي السبعيني أن أذهب للغرفة الداخلية. ربما ليحميني ويعطيني فرصة للبقاء وليته لم يعطني إياها.. فتح الباب وسمعته: (أهلا وسهلا بالشباب). قال أحدهما (أنت ضابط؟!) فردّ زوجي: (ضابط قديم متقاعد) ثم سمعت صوت رصاصتين ركضت إليه فوجدته ملقى على الأرض. جلست إلى جانبه. حدثته ولم يرد. لم أستوعب كيف يموت من كبرت معه (وختيرنا مع بعض). قرأت له ما تيسر من القرآن ورافقت جثمانه لساعات طوال أحسست فيها أن قلبي توقف أو أنني أهذي أو أعيش كابوساً… للأسف بقي الجثمان في مكانه ثلاثة أيام حتى دخل الهلال الأحمر، واستطعنا دفنه دفناً جماعياً. نعم دفن جماعي لعشرات الضحايا.. سأبكي على الجميع على قبر دفن انسانيتنا قبل أحبائنا.

أحمد - ريف اللاذقية

رفضت كل الجمعيات استقبال ابني أو مساعدته. لم أتلق دعماً في حياتي، واعتمدت على نفسي في تربيته ورعايته. لم أعترض على مشيئة الله. كنت أطعمه وأبدل ثيابه، وكل شيء، كما لو أنه طفل صغير بهيئة رجل، وكنت المسؤولة الوحيدة عنه بعد وفاة والده. لم يكن أحمد يتكلم بوضوح ولا يستطيع أن يتحرك بسبب الشلل الدماغي، لكنه كان يشعر بما يحدث حوله حتى لو لم يفهمه حين بدأ الهجوم على القرية كنت أركض بين الناس أبحث عمن يساعدني لأحمله، لم يكن جسدي قادراً على حمل شاب وصل لمنتصف العشرينات.كنت أحاول إيقاف كل من يمر أمامي، لكن الجميع كانوا خائفين، يركضون بسرعة هرباً من موت يلاحقهم… حتى أن كثيراً منهم لم يتوقفوا لي، ولم يسمعوا توسلاتي لهم. الموت كان أسرع مني، لم أدرِ عدد الرصاصات التي تلقاها جسده، ولا مكانها، فقد غطاه الرماد مع بيتنا الذي احترق.

ماهر، طرطوس، عين الكروم

لم يخف ماهر من الأخبار المتوالية أن القرية ستتعرض لهجوم بين ليلة وضحاها، وظل يردد عبارة “لا أخاف من الموت، انتو روحوا… ما عليكم مني” ثم يتبعها بعبارة : مارح يخافوا من مُقْعَد، شو بدي قاتلون ع الكرسي؟” وفي لحظة لم نكن نتوقعها، بدأنا نسمع أصوات الرصاص، حملت حفيدتي نور ذات الأربع سنوات، وركضت بها إلى حيث يركض أهالي القرية. ماكنا نسمّيه برية وأحراش، بات اليوم أماننا من خاطفي الأرواح. نامت الطفلة في حضني، بدأت أتأمل وجهها، وأتذكر ولديّ اللذين ودعتهما قبل سنوات.. كان ماهر الوحيد الذي لم يخدم في الجيش بسبب وضعه الجسدي، فجأة فتحت نور عينيها وقالت لي: أين عمي ماهر؟ نظرة ذهول ارتسمت على وجه الجميع… ما أصعب قهر الرجال حين عدنا للمنزل، كانت الدماء تغطي جسده وكرسيه في آن معاً، كان نائماً بعمق، وكأنه يحلم بمكان أقل قسوة وببشر أكثر رحمة.

مريم، ضيعة التويم - ريف حماة

أحصينا في ضيعتنا 78 قتيلاً، منهم أكثر من عشرين طفل. دفنوا في مقبرة واحدة فأرض الضيعة الصغيرة لا تكفي كل هذه القبور. عائلة عيسى دفنت وحدها أكثر من عشرة أطفال، فرح ومحمد كانا من ذوي الإعاقة السمعية، صم وبكم. قيل أنهما صرخا حتى وصل صراخهما إلى آخر الضيعة لا يفارق وجهاهما مخيلتي. أتخيل رعباً من دون أصوات. كيف فهموا الوجوه الخائفة دون أن يسمعوا صوت الرصاص؟ كيف عرفوا أن موتهما سيكون مجانياً دون أن يسمعا أحاديث السياسة وتحليلات الفيسبوك؟ علينا جميعا أن نتوقف عن الحديث وعن السماع لدقيقة فقط… دقيقة صمت حقيقية وليست مجانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *