دير الزور- شيماء شريف
لم تكن وفاة الشاب سعود نهاية الشهر الماضي إثر انفجار صهريج محمل بمادة المازوت واشتعاله في بلدة البغيلية، حدثاً غريباً في ريف دير الزور، ففي السنوات الماضية، قضى وأصيب مئات من الأشخاص إثر انفجار صهاريج وحراقات تكرير وقود في تلك المناطق كثير من هؤلاء أطفال، وكثير منهم نجوا ليحملوا إصابات وندوباً وتشوهات غيرت حياتهم للأبد.
انتشرت مصافي النفط البدائية في المنطقة الشرقية خصوصًا في ريف الحسكة ودير الزور منذ عام 2012 واستمرت حتى عام 2018 عندما تم دحر تنظيم الدولة الإسلامية من قبل قوات سورية الديمقراطية والضربات الجوية لقوات التحالف الدولي، حيث تم تقليص عدد هذه “الحراقات” حسب ما يسميها أبناء المنطقة، ولكن لايزال عدد منها يعمل إلى يومنا هذا بعد أكثر من خمس سنوات على تطهير المنطقة من داعش والتي كانت تبارك عمل هذه الحراقات وتعتمد على ريعها في تأمين جزء من تمويل التنظيم، فمن المسؤول اليوم عن الحراقات المشتعلة إلى يومنا هذا؟
عبد العزيز الخليف من قرية (الصعوة) في الريف الغربي لدير الزور عامل حرّاقة منذ عام 2012، يتحدث كيف كان النفط الخام يأتي من آبار النفط بدير الزور مثل (حقل العمر) و(حقل التنك) و(كونيكو) في الريف الشرقي لدير الزور، و(حقل ديرا) في الريف الغربي في قرية الصعوة، حيث تنتج الحراقة حوالي خمسة براميل يومياً، مما يدر أرباحاً كبيرة لعدد من “الواصلين” بينما يؤمن دخلاً يقي من الجوع ويجلب الدمار للباحثين عن قوت يومهم.
يصف الخليف المرحلة الزمنية بين 2012 و 2018 بعصر الحراقات الذهبي حيث أمنت فرص عمل للشباب وفي أحيان كثيرة للأطفال، ويضيف أن هذه المهنة أنقذت الكثيرين من البرد والجوع، كما ملأت جيوب “البعض” بالفلوس على حد تعبيره، ولكن للحراقات وجه مظلم فقد تسببت لأغلب العاملين عليها بمختلف أنواع الأمراض كالأورام الخبيثة والحروق والإعاقات والموت السريع للبعض الآخر، مثل ابن عمه الطفل أحمد ذي الأربعة عشر عاماً الذي عمل في الحراقات بدون أيّ من إجراءات السلامة تحت إغراء المال والأجر اليومي المرتفع وتوفي بعد عدة أشهر من بدء عمله، حتى أن عائلته لم تتمكن من إسعافه فتوفي بعد يومين من ظهور أعراض الورم السرطاني عليه، بالإضافة إلى من قضى نحبه نتيجة لانفجار الحراقة بينما كان يعمل بالقرب منها إذ أنّ هذه الحراقات وبسبب الحرارة الكبيرة الّتي تتعرض لها تتحوّل إلى قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة.
ولا يقتصر الضرر على العاملين المباشرين في تكرير النفط بشكل بدائي، حيث تسبب عملية حرق النفط واستنشاق الغازات المنبعثة من الحراقات بأمراض صدرية وتنفسية بين سكان القرى القريبة كما يمتد التأثير ليشمل قطعان الماشية وحتى المحاصيل الزراعية، حيث يوجد مئات الأراضي التي أصبحت غير صالحة سواء للسكن أو الزراعة نتيجة المستنقعات والمكبّات التي خلفتها هذه الحراقات.
الحراقة: مصطلح محلي يطلق على خزان كبير يتسع بالمتوسط لـ 200 لتر من النفط خام تستخرج محلياً من أحد آبار النفط القريبة، تضرم النار من حوله وبفعل الحرارة المرتفعة تبدأ المواد النفطية تنعزل ذاتيا بفعل الحرارة ليتم استخراج البنزين أولا ثمّ الكاز والمازوت آخر المواد النفطية الّتي تبدأ بالنزول من أنبوب التقطير، وتطاير الغاز والأبخرة الناتجة عن عملية الاحتراق في الجو لتشكل سحباً من الموت تغطي الأفق وتخنق الإنسان والحيوان والغطاء النباتي على حد سواء.
ذاكرة المنطقة مشبعة بروائح النفط وذكريات الموت
أم سلمان سيدة أربعينيّة من دير الزور، توفي زوجها وابنها سلمان 12 عاماً عند انفجار الحراقة الّتي كانا يعملان بتنظيفها عام 2015، تبرّر ام سلمان عمل زوجها آنذاك بأنه لم يكن هنالك فرص عمل سوى الحرّاقات بسبب تواجد تنظيم داعش في ريف دير الزور والحصار المفروض على المنطقة، وتضيف (لم يمت زوجي وابني فقط، بل قتل العشرات من قريتنا والقرى المجاورة بنفس الطريقة). واليوم تعمل ام سلمان كعاملة في الأراضي الزراعيّة لتعيل ما بقي من عائلتها وأم زوجها الذي قتلته الحرّاقة.
تواصلت مع السيد عمر (اسم مستعار) والذي يعمل كطبيب منذ عام 2013 في مختلف مستشفيات ريف دير الزور، ليشرح لنا مدى انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث البيئي الناتج عن دخان عملية استخراج البترول وحرقه، وبرك المخلفات البترولية التي لم يتم التعامل معها ولاتزال تسبب تلوثاً بيئياً مهولاً حتى يومنا هذا، والذي بدوره قال: بأنه لا يوجد إحصائيات دقيقة تخبر عن عدد المتضررين من ظاهرة الحراقات ولكن يمكننا ملاحظة نوعين من الأضرار لهذه الظاهرة:
النوع الأول: وهو الإعاقة والحروق الناجمة عن الإصابات المباشرة بسبب التعامل بشكل مباشر مع هذه الحراقات من قبل أشخاص محدودي الخبرة وأغلب هؤلاء الأشخاص من المراهقين والأطفال الفقراء والذين كانوا قد عملوا فيها مقابل أجر يومي بالإضافة إلى النساء اللواتي تعرضن للإصابات عن طريق استخدام المواد الناتجة عن هذه الحراقات والتي غالباً ما تكون غير منعزلة بشكل كامل ممّا يتسبب على سبيل المثال بانفجار الكاز المستخدم منزليا بسبب احتوائه على نسبة من البنزين عند استخدامه من قبل ربات المنازل.
أما المرحلة التالية والتي هي أشد ضررا من سابقتها وهي بدء ظهور تراجع واضح في الصحة العامة وظهور أعراض لأمراض مزمنة لم تكن مألوفة سابقاً أو منتشرة بين سكان الأرياف يعزى ذلك لكون النظام الصحي كان يعتبر أكثر جودة من سكان المدن الأمر الذي غيرته هذه الممارسات غير المسؤولة والخارجة عن القانون بسبب الفوضى خلال سنوات الحرب، وبدأت تظهر هذه الأمراض لدى السكان مثل أمراض القلب والرئتين وانتشار ملحوظ للأورام والأمراض المرتبطة بعمل الغدد وما يبرهن مدى ارتباط انتشار هذه الأمراض بالتلوث البيئي ومخلفات النفط هو ظهورها لدى فئات اليافعين والأطفال من جهة وارتفاع معدل انتشارها لدى السكان الأقرب لمستنقعات المخلفات النفطية والتي خلفتها هذه الحراقات حتى تلك التي توقفت عن العمل منذ عام 2018. بالتواصل مع عدة منظمات عاملة في المنطقة في محاولة لفهم نوع الاستجابة المقدمة لتخفيف معاناة السكان الأكثر تضرراً من المستنقعات التي خلفتها هذه الحراقات، ولم تكن نتيجة هذا التواصل واضحة على الإطلاق، فهنالك تجاهل واضح للقضايا المرتبطة بسلامة البيئة من قبل بعض المنظمات بينما تحمل بعض المنظمات مسؤولية التقصير في الاستجابة على ضعف التمويل لهذا النوع من المشاريع المتعلقة بسلامة البيئة أو المتعلقة بالتوعية للسكان المحليين بضرورة إجراء فحوصات طبية دورية لاكتشاف أي مضاعفات صحية و الاستجابة لهذه المضاعفات بشكل مباشر وأخذها على محمل الجد خصوصاً عند الأطفال .