خليل سرحيل
تبدأ دورة الحياة الجامعية لذوي الإعاقة، ومعها تبدأ المصاعب بالارتفاع أمامهم كجبال ينبغي صعودها بعزيمة سيزيف وحيرته الأبدية. من بين أسباب مثل التنمر والنظر للطالب بمقاربة خيرية أو ببطولة كرتونية، ما هو أثقل من ذلك: الجامعات نفسها، العريقة والقديمة بأدراجها ومصاعدها المعطلة أو حتى المخصصة فقط للكادر الإداري. وإن لم يكن أيٌّ من ذلك. يطلّ القانون السوري برأسه ليقتل الأحلام بمنعهم من ممارسة المهن التي يحلمون بها وفق قانون الأهلية بما فيه من مصطلحات مثل المجنون وذي العاهة.

يضيّق القانون السوري على ذوي الإعاقة في دراسة مهن معينة، مثل الطب والهندسة وغيرها من الفروع الأخرى التي قد يمضي الطالب عمراً كاملاً يحلم بها، فقد سمح القانون لهم بالتقدم لمفاضلة خاصة في كليات العلوم الإنسانية فقط . بالمقابل ألغى أحلامهم بالدخول إلى الكليات العلمية، وإن أرادوا دخولها، عليهم أن يفعلوا ذلك وحيدين دون أي دعم ودون أقل اعتراف بوجود حاجات خاصة لهم.
تقول سوسن وهي خريجة من كلية الصيدلة في جامعة البعث في حمص: “لم أقدم أبداً على مفاضلة ذوي الإعاقة، لأنها لا تسمح لي بدراسة الصيدلة التي أحلم بأن أصيرها. ولكن هذا القانون دفعني للتخلي عن هويتي، وعن إعاقتي كما هم يريدون، ومع هذا التخلي لم يعد يسمح لي بالاعتراض على تعطل المصاعد، أو على نقل الصفوف الى الطوابق الأرضية كي أصل إليها من دون إحراج الأصدقاء إلى تشييعي عبر الأدراج”. وتروي آية أحد القصص التي تكاد تكون اعتيادية في أيامها الجامعية “في أحد الأيام وقبل امتحان مهم للغاية، أمضيت وقتاً كثيراً أحضر له. طلبت من الدكتور قبل الامتحان بأن ينقل القاعة من الطابق الثالث إلى الطابق الأرضي، وقد أشفق عليّ وأكد لي أنه سيقوم بذلك، وبعد انتظار لساعة ونصف عرفت أنه نسي طلبي. ولم ينزل لي أحد وأوشكت على الرسوب . وعندما فكرت بالشكوى تذكرت ما قيل لي مرة بأنني فاقدة للأهلية ولا يمكنني دراسة الصيدلة .
وتقول إيمان التي تدرس في كلية العلوم في جامعة البعث: بقيت أتردد عاماً كاملاً إلى مكتب رئيس الجامعة من أجل تركيب رامب أمام وحدة السكن التي أقيم فيها، ولم يتم الأمر إلا بعد أن قدمت شكوى في محافظة دمشق، وتتساءل عن الزمن الواجب انتظاره لتصل إلى المصاعد أو لتكون القاعات في الدور الأرضي.

ليست هذه المشكلات خاصة بذوي الإعاقات الحركية فقط. هناك نصيب لا يستهان به للمكفوفين والصم، يشرح أحد المكفوفين عن نظام الامتحان الشفهي الذي يخضع له الكفيف، وعما يخلفه من توتر وقلق في الامتحانات المكتوبة وخاصة في المواد الاختصاصية حيث يتم تعيين كاتب لا يعرف اللغة والمصطلحات، وهذا ألم آخر على هؤلاء تحمله بصمت.
على الجهة الأخرى، الجامعات الخاصة الموجودة في كل المحافظات السورية. لا توجد مشكلات كهذه لأسباب تسويقية بحتة. تقول جوى وهي طالبة في كلية الصيدلة في جامعة خاصة: لا أعاني من الوصول إلى قاعات الدراسة فالمصاعد تعمل وعمال الصيانة جاهزون دائماً، لكن معاناتي تكمن في الخارج وفي الطريق بين منزلي وجامعتي، المسافة الهائلة التي أقطعها كل يوم، تجبرني على اختبار الكثير من المواقف. كنت سأكون أفضل لو لم تحصل لي.
يتحايل الطلاب من ذوي الإعاقة على القانون الذي وضع من أجلهم (كما قيل لهم) من أجل أحلامهم البسيطة والمحقة. هذه الأحلام التي تقدم بالمجان للآخرين. بشرط انعدام الإعاقة. يفضي هذا القانون إلى تمييز واضح. لم نره عندما أصبح ستيفن هوكينغ عالماً رغم إعاقته، ولم نر أن الجامعات العريقة تتطلب مواصفات بدنية محددة.
تخبرنا الطالبة الكفيفة فرح التي أصبحتُ في سنة التخرج في كلية الحقوق، أنها خائفة من مرحلة ما بعد التخرج رغم معدلها الممتاز ورغم أنها الثانية في الترتيب على الجامعة، وتضيف “أخبروني أني لا أستطيع أن أصبح معيدة في الجامعة فرغم وجود مرسوم ينص على تعيين الثلاثة الأوائل، ولكن شرط اللياقة الصحية يمنعني من ذلك كما أني لا أستطيع الانتساب إلى نقابة المحامين للسبب نفسه ولا أن أصبح قاضية فأي ظلم أتعرض له بسبب الإعاقة وأين مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي نص عليه القانون؟”.
لا يتوقف حجر سيزيف عن التدحرج في السنوات الجامعية، فمن خاطروا في دراسة الهندسات والكليات الطبية بعدما تخلوا عن التقديم وفق المفاضلة الخاصة بذوي الإعاقة، يتخرجون ليواجهوا قانوناً آخر يتطلب شرط السلامة الجسدية والعقلية لأخذ الموافقة على مزاولة المهنة التي يحملون شهادتها مثلهم مثل غيرهم بعدما درسوا مثلهم مثل غيرهم وفي ظروف أكثر صعوبة، لكن عليهم لسبب ما أن يتجاوزوا فحص ما يسمى “الأهلية” ليستطيعوا العمل بشهاداتهم. لكنه القانون ولا شيء فوقه.