عبد الكريم عمرين
هل باستطاعة الفن والأدب بكل صنوفهما وأجناسهما اليوم، أن يعكسا أو يصورا الملحمة السورية التي انتهت فصولها بهزيمة الاستبداد الأسدي؟
سؤال يراود كل مثقف سوري حر، وكثيراً ما كنا نسأل هذا السؤال في جلساتنا في اجتماعنا كل يوم جمعة في بيت المعلم فرحان بلبل، ونستعرض الإنتاج الأدبي والفني منذ قيام ثورة الكرامة في سورية عام 2011، بشقيه: أدب وفن النظام، وأدب وفن المعارضة السورية في الخارج. ونستنتج ببداهة أن الأدب والفن في الداخل تراجعا وأصيبا بالهزال بسبب نزوح أو هجرة معظم المبدعين إلى خارج البلاد، وتسيّد منصات الثقافة والفن في سورية للمدعين وأنصاف المواهب أو المقربين من النظام وأجهزته الأمنية وكتبة التقارير الاستخباراتية، إلا من رحم ربي طبعاً وهم قلائل جداً، الذين كانوا يكافحون بأقلامهم ووسائلهم الإبداعية في ظل ضغوط رقابية صارمة، وفي النذر اليسير من لحظات نوم أو غباء الرقابة، إذ تمر نسمة من نسمات الحرية في التعبير الإبداعي، كمسلسل الولادة من الخاصرة في جزءه الثالث، أو دقيقة صمت، أو مسلسل كسر عضم أو بعض لوحات بقعة ضوء في الدراما التلفزيونية على سبيل المثال لا الحصر. بينما تألق الإنتاج الفردي الروائي بروايات ثلاث كتبها المبدع خالد خليفة.

أما الإنتاج الأدبي والفني خارج سورية، فقد اتسما بالعجالة في التعبير عن الثورة السورية أدبياً وفنياً، رغم أن ثمة انتاج محترم تجلى في الموسيقى كمالك جندلي، وغطفان غنوم في السينما، وبعض العروض المسرحية، في بيروت والقاهرة كأسامة حلال وحلا عمران. وفي الرواية هناك انتاج روائي كبير نسبياً ومتمكن من أدواته في البناء الروائي والسردي لكنه لم يصل بعد لأن يكون معبراً حقاً عن تحولات المجتمع السوري روائياً بحيث يقترب من أن يكون في بعض انتاجه كملحمة سورية للسوريين جميعاً. ومن هذا الانتاج روايتان لإسلام أبو شكير ومثلهما لأيمن مارديني، وأسماء أخرى مبدعة كسوسن حسن وديمة ونوس، وفي القصة القصيرة قصص مصطفى تاج الدين موسى، ونجم الدين السمان.
ما دعاني لهذه المقدمة القصيرة المختصرة، هو أول “عرض مسرحي” قدم في حمص، بعد انتصار الثورة على الاستبداد الأسدي، يحكي عن الثورة السورية بعنوان “ثورة”، وحقيقة الأمر أن العرض متواضع جداً وببداهة يمكن تصنيفه كعرض من المسرح المدرسي. أراد العرض أن يدين البعث منذ استلامه السلطة في سورية، وأن يدين الحقبة الأسدية بالذات لما مارسته من جور وظلم وبطش ونهب لثروات البلاد ونشر الفساد والإفساد، مستذكراً أيام وسنوات الديمقراطية والزمن السياسي الجميل في الأربعينان والخمسينات من القرن الماضي بسردية جافة ومملة غاب عنها الانفعال العاطفي وبأداء بارد وميزانسين منفلش غير مدروس، وبأصوات ضعيفة واهية لا تكاد تسمع في مقاعد الصفوف الأولى من المسرح.
هل عرض “ثورة” يليق بالثورة السورية بالتأكيد لا، إنه عرض لا ينتمي إلى الدراما بالأصل هو عرض دعائي سطحي في السرد التاريخي، والانتصار النهائي.
لا تكفي النوايا الحسنة والاندفاع لنصنع شيئاً جميلاً في الفن يتحدث عن نضالات السوريين وآلامهم نزوحاً واستشهاداً وسجوناً، إن الملحمة السوري تحتاج لمبدعين برؤية وجماليات إبداعية، رغم احترامي لشباب في العشرينات من العمر تجرأوا على صنع عرض “ثورة”، وربما كان ما نحمله في نفوسنا وقلوبنا من آلام، وفرحنا بالانتصار أكبر بكثير وأغنى عاطفياً وشعورياً لما شاهدناه ليلة 27/2/2025 على مسرح دار الثقافة في حمص. الثورة تحتاج إلى ثورة مبدعة في الأدب والفن أيضاً.
