الإرادة

ثلاثية المخرج حسام حمو تعرض للمرة الأولى: الفطام القسري عن الأم، العائلة والوطن

خليل سرحيل

عن الأم السورية خلال الحرب، عن الهجرة والأمل والأحلام، عن قساوة الفراق، عن محاولة لخلق الفن والحياة في بلد بقي يصدر الموت لأكثر من عقد. تأتي ثلاثية المخرج السوري حسام حمو، لتنحت بمشهدية قلقة الحياة اليومية للعائلة السورية بصيغتها المجردة، والأكثر هشاشة.

بدأ في مطلع هذا الشهر عرض ثلاثة أفلام قصيرة للمخرج حمو، “سبات” المنتج عام 2023 والحاصل على ثلاث جوائز منها جائزة لجنة الأفلام الروائية العربية في مهرجان البحرين السينمائي ومدته 13 دقيقة، والثاني فيلم “فراغ” ومدته 7 دقائق، وأحدثها فيلم فطام 2024، ومدته 27 دقيقة الذي يعرض للمرة الأولى في سوريا.

تشكل الأفلام الثلاثة حسب حمو، مشروعاً واحداً هو رؤيته للواقع السوري المهترئ والمتردي قبل سقوط النظام والشخصية السورية التي وُسمت بالفقدان على كل الأصعدة.. فقدان العائلة وفقدان الأمل وفقدان الحب.

فلم فطام: العشاء الأخير

يدور فيلم فطام خلال سهرة عائلية تجمع أسرتين على العشاء فيما يتجهز الابن خليل الى السفر والهجرة. كحال الآلاف من الشباب السوريين الذين هربوا من يوميات العنف، القبضة الأمنية أو الخدمة العسكرية. سهرة بسيطة تعكس حياة السوريين جميعاً من انقطاع الكهرباء إلى الجدال السياسي المرتجف وصولاً للأبواب المغلقة على أسرارها وأحزانها، حتى معاناة الأمهات الصامتة والعميقة والتي تتجلى فيها محنة بلد بأكمله. تصبح تلك السهرة آخر ما يحمله الشاب من ذكريات وكأنه العشاء السوري الأخير له.

في ليلة مليئة بالنقاشات، تسترجع الأم ذكريات ماضي العائلة وابنها الذي يستعد للهجرة، وهي هجرة تفوق قدرتها على الاستيعاب، حيث تشعر أن الفراق قسري ومؤلم. لا تزال تنظر إليه بعين الأمومة الحانية، تراقب تناوله للطعام، وتدرك أن رحيله يقترب إلى مستقبل مجهول، مما يعكس مفهوم “الفطام” في الفيلم، فطامًا نفسيًا وروحيًا عن الوطن والأم معًا.

عرض فيلم فطام في مهرجان فاميك للفيلم العربي في فرنسا، وسيعرض في مهرجان أفلام البحر المتوسط (كان – ميلان – أثينا) ومهرجان الإبداع العربي في مصر ومهرجان داكا السينمائي في بنغلادش ومهرجان سينمانا في سلطنة عمان.

استطاع حسام حمو إدارة الممثلين في ظهور هو الأول لمعظمهم

العائلة السورية: اهتزاز الهوية

يقول حسام حمو لمنصة إرادة عن فيلمه فطام وظروف إنتاجه: كانت مرحلة صناعة فيلم فطام تلخص كيف أصبحت حياتنا في الداخل السوري تحت قبضة النظام. وشعرت برغبة في التعبير عما يشغلني كشاب سوري، عاش شبابه تحت ظرف الحرب وشاهدها وهي تأكل الحجر والبشر. أراقب المهاجرين ممن رحلوا رغبة بالخلاص من البلد. جاء الفيلم ليروي قضية ارتباط الشباب السلبي بسوريا خلال الحرب وكيف تشوهت العلاقة مع البلد الأم. دائماً كانت العائلة السورية هي بوصلتي لرسم الهوية السورية. تلك العائلة التي كنّا نعود إليها كل يوم. أين أصبح أبناؤها اليوم؟ وماذا حل بالباقين؟ قاومت وعبرت بمقولتي الفنية في أفلامي الثلاثة عن ذلك عبر الدراما الروائية. مثلاً لقد خرجت الكثير من الوثائقيات من سوريا عن الهجرة، ولكني لم أشاهد شيئاً عن الأمهات الباقيات وطوال السنوات الماضية لم نسمع سوى عن وثائقيات سورية منعت من العرض في الداخل وحققت جوائز في الخارج. وهنا يأتي مشروع فيلم فطام. بين أم تمثل سوريا التي تودع ولدها المهاجر وأب يمثل السلطة الأبوية القاسية، وشاب يبحث عن تحقيق ذاته بعيداً عن الحرب. في بيت سوري يشبه بيوت الجميع. وقد دفعتني الحاجة للقول إلى تحمل ظروف الإنتاج ومحدودية التمويل. فأنا مثل معظم المخرجين السوريين الشباب بحاجة للتمويل والدعم في وجه صناعة السينما المكلفة مادياً، ولكننا رغم محدودية أدواتنا استطعنا القول والتعبير وخلق التغيير. وهذا هو الجزء الشيق والممتع. تعاملت مع ممثلين بأدوارهم الأولى وعملنا على تدريبهم قبل التصوير، وممثلين خريجين من قسم التمثيل. لم يكن فيلم لي وحدي، بل كان جهداً جماعياً يقوده الإيمان بالفن والإنسان. وإلى غاية هذه اللحظة لقد أتاح سقوط النظام للمخرجين والكتاب بأن يكونوا مع كتبهم وأفلامهم وأعمالهم الفنية في مكان واحد. ولا يمكنني وصف شعوري عند ساعة العرض بين السوريين ممن تحدثت عنهم.

طاقم العمل في فلم فطام

سينما شابة لكنها متعبة

منذ سقوط النظام وحتى اليوم شهدت المحافظات السورية بداية للنشاطات السينمائية في عروض لأفلام كانت ممنوعة أو تم تصويرها خفية عن أعين نظام الأسد. تتقاسم العروض خصائص مشتركة مثل أنها وثائقية بالمجمل، قام بصناعتها شباب سوريون بميزانيات قليلة ومستقلة. حيث كان للقبضة الأمنية أثر على طريقة الصناعة فيما يخص التوثيق حيث جرم النظام أي حديث عن أي قضية، ولاحق مخرجيها وقتل البعض منهم. أما درامياً فقد كان هناك تحكم كامل في الأعمال التي تنتجها المؤسسة العامة للسينما. وطوال السنوات الماضية نشأ تياران من صناع الأفلام. قسم تموله بروبوغاندا النظام ليقول قولها. وقسم شبابي مستقل يقاوم عبر التوثيق والدراما، خارج اعتراف السلطة وفي بعض الأحيان ملاحق. قد يشكل مخرجوها في المستقبل موجة سينمائية جديدة في تاريخ السينما في سوريا. سينما ما بعد الحرب.

تعتبر فئة الشباب التي خسرت المستقبل بعدما راقبوا الحرب وهي تأكل أحلامهم هي المعنية بالقول والتعبير. بين الواقع الذي ينضح بالحقيقة وتوثيقه يرى مخرجو الأفلام الوثائقية أن القضايا أهم من معالجتها درامياً في وقت الحرب، حيث إن هناك بشراً حقيقيين مرميون للموت والهجرة وتقودهم رغبة المظلومين بأن يشعروا بأنهم معروفون وألمهم يحرك أصحاب القرار فينصرونهم. أما صناع الدراما الشباب. يشغلهم خلق وتجديد صورة سوريا الثقافية بأصالتها ومواضيعها العالقة التي تحتاج إلى الحلول ومن ضمنها صراعات الفنان نفسه وعلاقته بالمحيط. بأعمال تدور حول الحرب وآثارها ولا تقصدها مباشرة. وهكذا خلال سنوات الحرب وقبلها كانت السينما التوثيقية والتسجيلية هي الرائدة في سوريا.