مياس سلمان
عاد بي المشهد إلى ليلة سقوط النظام صباحاً، فنحن (العلويين) متهمون أننا الحاضنة الشعبية للنظام وخزان جيشه. استيقظ كثيرون ليلة السقوط ليحرقوا الأعلام الحمراء. بعضهم أخفى صور أبنائه من “شهداء الجيش” التي كانت تعلق على الجدار الرئيسي لغرف المعيشة. انتظرنا برعب وصول قوات الثوار بأرتال ضخمة للانتقام الموعود من الطائفة المتهمة. الجميع يودع أحباءه ويتخيل السيناريوهات الأسوأ، فيما قوافل جيش النظام المنهزم تعود من جميع المحافظات. مرت ساعات على السقوط ولم يحصل شيء من مشاهد العنف والموت والانتقام التي تم زرعها في المخيلة الجماعية على مدار سنوات حتى بات حدوثها يقيناً لدى كثيرين. ثم بدأت التطمينات تصل بأن لا شيء سيحصل. اطمأنت قلوب الأمهات، وأعاد البعض تعليق صور أبنائه. مرت ثلاثة أشهر دون أحداث تذكر باستثناء بعض الصدامات والتجاوزات المتفرقة وكانت الأوضاع مستقرة نوعاً ما.

اليوم لا أدري ماذا أقول ؟ تنتابني الكثير من مشاعر الحزن والخوف والسخط والرعب وعدم الأمان دفعة واحدة! في يوم واحد، السادس من آذار، اشتعلت المنطقة الساحلية وغرقت في بحر من الدماء والعنف الذي لا يعرف أحد كيف تفاقم بهذه السرعة وعلى ماذا سينتهي؟
بدأت الأحداث في ريف جبلة عندما قام بعض الأشخاص بالاعتداء على رجال الأمن العام لتتطور الاضطرابات مع الحديث عن وجود تحركات وكمائن منظمة ضد القوات الحكومية. ركب الموجة بعض الموتورين وبعض رجال الجيش السابق الذين أصبحوا عاطلين عن العمل ليغيب صوت العقل وتصبح الفوضى سيدة المشهد، فالعقلاء الذين يريدون تجنيب البلد الخراب والقتل فقدوا السيطرة على الموقف، وأصبح انتظار المجهول هو السائد.
أعيش في قرية تبعد أربعة كيلو مترات عن مركز المنطقة، ولكن على طريق مركزي حيوي يربط محافظة حماة بمحافظة طرطوس.
في صباح السابع من آذار، في منطقتي، الشيخ بدر، تصل الأخبار أن بعض الشباب هاجموا المخفر واحتجزوا عناصر الأمن العام داخله. بدأ الترويج بأن قوات ما يسمى (درع الساحل) ستقوم بتحرير طرطوس واللاذقية وبانياس من عهدة الأمن العام، فيما بدأ طوفان من مشاهد التحريض وإعلان الجهاد ضد (العلويين) في الساحل.
خلال ساعات، بدأ المشهد يتضح ويرسم بعنف كبير في جبلة وبانياس. تسربت أخبار وفيديوهات المجازر الطائفية المرتكبة من الفصائل القادمة إلى الساحل. شهد حي القصور أفظع الجرائم ضد ضحايا مدنيين، أغلبهم مدرسون وأطباء لا علاقة لهم بما يسمى فلول النظام. كذلك جاءت الأخبار الدموية من صنوبر جبلة وغيرها من المناطق.
عشرات الأصدقاء من أغلب المناطق السورية وخارجها اتصلوا يسألون عن الأحوال ويتمنون لنا الأمان السلام.
بين هؤلاء، صديقتي تهامة من كفر زيتا في ريف حماة، ورغم أن بيتها دمر وقتل الكثير من أهلها على يد النظام السابق، إلا أنها كانت حزينة مما يجري. قالت لي إنها لا تريد أن ترى مزيداً من الآلام والضحايا في هذه البلاد. ما كان صادماً حقاً أن اثنين من أصدقائي الذين تجمعني بهم قضايا الإعاقة كانوا محرضين على أعمال العنف في الساحل. بالمقابل شعرتُ أن الغالبية يحبون الخير رغم جراحهم ووجعهم.
بدأ العقلاء في منطقتنا الحديث بقوة عن أهمية تجنب العنف والدمار والمجازر فتوجهوا بأعداد كبيرة محاولين إقناع الناس المتمردة التي تحتجز عناصر الأمن العام لإطلاق سراحهم وتجنيب الناس ويلات المجازر، وبعد مفاوضات لساعات اقتنع المتمردون بتسليم الأمن العام للوجهاء، المشكلة أن المتمردين فروا وهربوا وتركوا المدنيين لمصيرهم المحتوم أكثر من مئة ألف مدني في منطقتي سيدفعون ثمن محتمل لما فعله عدد من المسلحين الذين لا يتجاوز عددهم الخمسين.
بدأ الخوف والرعب من وصول المقاتلين الطائفيين أو الأجانب الخالية قلوبهم من جميع مشاعر الرحمة والإنسانية. حدثتني صديقتي (ريم) من قرية (حريصون بانياس) عن عمليات القتل والسلب والتدمير دون رحمة. حكت لي كيف باتت العائلات مع أطفالها في الأحراش، محاصرون من جميع الجهات ولم يبق أمامهم سوى انتظار الموت أو الأمل أن لا يصل إليهم أحد في المخابئ.
فقد أعلنت اجهزة الدولة صراحة أنهم فقدوا السيطرة على بعض الفصائل التي بدأت القدوم للساحل وتقوم بالانتقام الطائفي وتصوير جرائمها بشيء من المتعة والتباهي فعم الخوف والرعب حتى في المناطق التي كانت آمنة.
تكثفت الجهود لتجنيب منطقتي الدم والدمار كون أن رجال الأمن العام لم يتعرضوا للقتل أو الأذى فيها. بدأت التطمينات تصل أن منطقتنا لن تشهد أي عمليات عسكرية وأن القوات ستدخل وتنتشر دون قتال. ولكن لم يكن هناك شيء مضمون فالناس خائفة من المجازر التي تشاهدها ووسائل التواصل تؤجج الصراع وتنشر الرعب وخطاب الكراهية والتحريض. مر اليوم الثاني دون دخول قوات ولكن لم يستطع أحد النوم. ظل القلق والترقب يوماً آخر.
في التاسع من آذار وصلت الأخبار أن الأمن العام سيدخل المنطقة، وصل رتل مؤلف من أكثر من مئتي آلية بعد أن مر بالعديد من القرى فيما تتوالى الأخبار بأنه لا يقوم بأعمال قتل أو إطلاق نار مما أثار بعض الطمأنينة في قلوب الناس. توقف في قريتي ما يقارب مئتي مقاتل مع أسلحتهم وسياراتهم وأخبرونا بأنهم سينامون في القرية. حضر المختار وبعض كبار السن بينهم أبي لملاقاتهم وتأمين ما يحتاجون ليتفاجأ الجميع بأن معظم العناصر أجانب يتكلمون لغة فصيحة بصعوبة، ولكن بما أنهم دخلوا دون قتال استبشر الناس بأن يمر الليل بهدوء. مع ذلك، لم ينم أحد من سكان القرية، البعض ذهب للوديان والأحراش والبعض يترقب في بيته مرعوباً.
أنا قررت النوم في بيتي وحيداً وعدم سماع تكهنات الناس. لأول مرة أشعر بالعجز العام لا الخاص. مثلي مثل أقوى الرجال في مدينتي، جميعنا لدينا خياران لا ثالث لهما إما الهروب أو انتظار الموت. لن يستطيع أحد حماية أحد. شعرت أني أملك قوة قلب وإيماناً بالسلام يكفيني لأنام بسكينة.
مر الليل بسلام وغادروا القرية صباحاً ليشعر الجميع بأنه كتبت لهم حياة جديدة، وبدأت بعدها الإشاعات بأن رتلاً أخر قادم وسيكون أكثر شراسة، بينما الوجهاء يطمئنون الناس أن جميع الأرتال ستمر دون اقتتال. بقي الخوف يسيطر على النفوس فقد كانت أخبار العنف والمجازر وحرق البيوت في قرى أخرى مستمرة ولم تتوقف لليوم الثالث على التوالي وتوقفت نسبياً اليوم الرابع.
كان ما جرى كابوساً مرعباً استمر خمسة أيام، وللأسف يبقى احتمال اندلاعه من جديد قائماً ريثما نحصل على وطن آمن يتسع للجميع نتعامل به كسوريين لا كطوائف، نعيش فيه جميعاً كناجين من الحرب وليس ضحايا محتملين.