خليل سرحيل
في زحمة مؤتمر الحوار الوطني المعقود على عجل، وفي ظل المسرحيات السياسية التي تسبب لكثير من السوريين الحساسية، كان دخول الرئيس أحمد الشرع القاعة بدون صوت التصفيق الصاخب، أو الهتافات المعهودة المحملة بالدم والأبد، بمثابة لحظة فارقة أتاحت فرصة للتأمل في مشهد سياسي مضطرب.. في النهاية، قد نكون قد تعلمنا دروساً قاسية بعد خمسة عقود من الديكتاتورية ومئات المجازر وحرب أهلية مدمرة. أو ربما، لا. ربما تركة الاستبداد لا تزال تثقل كاهلهنا؟ صدى هتاف “بايعناك” الذي انطلق من بعيد، لم يكن سوى تذكير مؤلم بزمن قريب، جاء الصوت مألوفاً، مكروراً، وغير بعيد… يفصلنا عنه أقل من ثلاثة أشهر. عندما كانت تصدح الحناجر، “منحبك، منحبك”.

سقوط النظام لم ينهِ إرثه، بل ترك السوريين يواجهون واقعاً سياسياً مشوهاً. نظامٌ دأب على تحويل الرئيس إلى رمز مقدس، وبطل خارق، ومُلهم لا يُضاهى. والأهم تحويل الولاء له إلى أداة ترهيب بوجه من يعارضه.
فر الرئيس المخلوع إلى روسيا، لكنه وبعد فراره ترك السوريين يتعرفون إلى الحياة السياسية وفق المنظور الذي حدده لهم بالاشتراك مع الأفرع الأمنية والمخابراتية. حيث دأبت وعلى طوال خمسين عاماً، على تصدير صورة الرئيس على أنه المحامي الأول والرياضي الأول والمقاتل الأول والطبيب، وراعي الفنانين والفلاحين وصغار الكسبة وسوبر هيرو البلاد، صاحب المعجزات والمتحدث الذي يجب علينا تحليل الأحرف التي ينطقها والبحث عن الرسائل السامية ولو كانت حديثاً عن الطبخ أو الرياضة، في محاولة لغسل العقول عبر تضخيم الصورة البشرية لشخص الرئيس. وهكذا حتى أن سوريين ممن تجاوزوا مرحلة الراعي الأول رأوا صورة وجه حافظ الأسد تنعكس على وجه القمر وهو في حالة البدر. تماماً كما رأى العراقيون صدام والنازيون هتلر، ولكن بسطوع أكبر.
من أين بدأت قدسية الرئيس وما علاقتها بالديكتاتورية؟ وهل سيستحيل على السوريين التمتع بالوعي السياسي بعد التدجين الطويل الذي مورس عليهم عبر الأجيال؟ مصطلح “ديكتاتور” يعود إلى روما القديمة، حيث كان يُمنح الحاكم سلطات استثنائية في الظروف الاستثنائية، وما أكثرها في بلد مثل سوريا. أنتج زمن الانقلابات المتتالية فراغًا سياسيًا، استغله حافظ الأسد لبناء إمبراطوريته الشخصية يلاحق أقرانه في البلدان المجاورة وينافسهم مثل صدام حسين ومعمر القذافي وغيرهم. عمل على ترسيخ عبادة الفرد، وبدأ بإطلاق اسم الأسد على كل المعالم الثقافية وغير الثقافية ومصحوبة بصور كبيرة للغاية. صور ترضي حاجة القائد وتقربه من الخلود. أن يكون خالدًا وأبديًا في أذهان السوريين. ولم يكن من السوريين إلا تشرب فكرة القائد. وتشوهت وأضعفت أي حالة تفكير سياسية خارج فكرة تأليه القائد، وتشوهت معظم أشكال التفكير السياسي المستقل.
أما ابنه فقد حول جدران سوريا إلى ما يشبه “إنستغرام” خاصًا به وبزوجته، حيث توضع صوره على الجسور وفي اللوحات الإعلانية وعلى جدران قلعة دمشق وحلب. أما على صفحات التواصل الاجتماعي، كان يصادفك يوميًا منشور لشخص، وضع صورة للسيد الرئيس يناشده لحل مشكلة مثل قبض الراتب، أو تعدي من شبيح يحتل الشارع، إضافة لمئات بوستات التمجيد والأشعار الركيكة.


وصل أبو محمد الجولاني إلى دمشق، وقبل أن يعرف السوريون اسمه الحقيقي (أحمد الشرع) وقبل أن يستلم رئاسة الفترة الانتقالية، انتشرت أغنية لفنانة صاعدة، تمجده على أنه القائد المخلص، والأب الجديد. وتضع على رأسها الخمار في كل لقطة تجمعها بصورة الجولاني باللباس العسكري (الذي يحاكي بموضته فيديل كاسترو أو زيلينسكي). وهكذا بدأ تحديث صفحة سوريا على الأنستغرام الواقعي. أزيلت صور الأسد وبدأ الضمير الجمعي للسوريين بالتخبط، وسط صيحات واعية تنادي بعدم التقديس وصناعة دكتاتور جديد. بدأت صور الجولاني ورايات تنظيم هيئة تحرير الشام بالانتشار في الشوارع، فهي الوسيلة شبه الوحيدة التي يعرفها الشعب للتعبير السياسي، وقد برع في استخدامها لتقديم فروض الطاعة والولاء سواء بهدف حصد مكاسب التزلف للسلطة، أو رد خطرها عنه واتقاء شرورها “المحتملة”. غير أن الحكومة السورية الجديدة وبعد أن راقبت ردّات الفعل على هذه التصرفات، قامت بإصدار قرار يمنع طباعة صور الرئيس السوري للفترة الانتقالية على الأعلام أو نشرها في سوريا. بدا المشهد سريالياً، فالسلطة الجديدة قد تكون قد تعلمت الدرس فيما كثير من السوريين يشعرون بالفراغ العاطفي “السلطوي” فقد أصبحت صفحة الأنستغرام على جدران البلد وقلاعه شاغرة، فيما صفحات وسائل التواصل الاجتماعي يعاد ملؤها بمصطلحات الحب والتمجيد والبحث عن “حبيب سياسي جديد”، حتى أن صحفية سورية في صحيفة رسمية كتبت تحقيق عن “لماذا تعجب النساء بالجولاني” وأخذت تتغنى بجمال ووسامة عيون مقاتلي الهيئة و”سحر” الرجولة وتأثيرها على فتيات دمشق.
في المقابل، هناك أولئك السوريون الذين يناضلون من أجل بناء دولة مؤسسات، وليس بناء التماثيل، ويطمحون لكتابة القوانين وليس الأقوال المأثورة، ويحلمون بدستور يضمن الحريات، وتحقيق العدالة وتداول السلطة. أولئك الذين سيملؤون جدران البلد بأفكار واعية، تنادي بدولة تضمن للجميع كرامتهم، ولا مكان للإقصاء فيها، ولا يتم فيها صناعة طاغية جديد.
لم يكن السوريون على مدار التاريخ خارج الحياة السياسية ولو أن الأسد قد شوّه أحزابها وأعطبها. ولديهم من الخبرة والمعرفة الكثير الذي يعول عليه في المرحلة السابقة، قامت انقلابات كثيرة وبقيت سوريا جسداً واحداً. وستبقى محمولة بأذهان المهاجرين والحاضرين كحضن جامع ومتنوع، وستعود الحياة السياسية بصور أقوى، لتكون صورة فرار الطاغية، كل طاغية، وسقوطه هي تعريف لإرادة الشعب للأبد.