مادلين جليس
حين زرت أحد (البازارات) المقام خصيصاً لبيع منتجات ذوي الإعاقة في دمشق، فوجئت بالعدد الكبير للأمهات اللواتي قالوا لي أنهن لم يبدأن بتعليم أطفالهن إلا بعد مرور عدة سنوات على ولادتهم، وقسم كبير منهن لم يكن لديهن أية فكرة عن التعامل الصحيح مع أطفالهن، ولذلك فقد وقعن في الكثير من المشكلات التي لم يستطعن الخروج منها إلا بعد مد يد العون لهن من قبل مختصين.
يولد الطفل ذو الإعاقة وتولد معه جعبة من الضياع والحيرة، يلقيها في وجه والديه التائهين أساساً، بهذه العبارة وصفت بثينة واقعها حين علمت من الأطباء أن ابنها رضوان ذا الأربعة أشهر مصاب بمتلازمة داون، كان الضياع يخيّم على عقلها وتفكيرها، عشرات، بل مئات الأسئلة طافت في رأسها: كيف سأتعامل معه، كيف سنتحدث، هل سيفهمني، هل سأكون قادرة على تربيته كما إخوته؟
لم تجد أجوبة عن تلك الأسئلة، في مجتمع لايزال حتى هذه اللحظة ينظر لقضية الإعاقة بشفقة أحياناً وبرفض أحياناً أخرى ويشيح بوجهه عنها معظم الأوقات.

الوعي أولاً
بعد تشخيص مرضها، لم تعرف مفيدة كيف ستوجّه ابنتها، كانت تجلس ساعات يومياً تبكي لوحدها، لا تدري بأي لغة سوف تخاطبها، فكل اللغات صامتة بالنسبة لها، إلى أن دلّتها جارتها على جمعية تستطيع من خلالها تعليم طفلتها، وتعليم نفسها أيضاً على لغة الإشارة لتكون مفتاح التواصل بينها وبين ابنتها.
تبتسم مفيدة وهي تفتخر أنها أكثر من يفهم على هذه الطفلة الصمّاء، وأن والدها وإخوتها يستعينون بها عندما يعجزون عن معرفة مراد أختهم.
وسواء عرفوا أم لم يعرفوا طريقة للتواصل معه، فإن الطفل ذا الإعاقة أصبح الآن جزءاً من هذه العائلة، ولا مهرب من تعلم الطريقة التي تناسبه وتناسب إعاقته للوصول لصيغة تفاهم بينه وبين أهله.
إضافة إلى الجهد المضاعف المطلوب من الأهل والوالدين لتقبل هذا الطفل والتكيف مع احتياجاته المختلفة والخاصة كما ترى الأخصائية الاجتماعية بشرى الفرا.
وترى الفرا أن هذا التكيف والاندماج يتطلّب من الوالدين الثقيف واكتساب المعلومات حول إعاقة طفلهم بالعموم، وحالة طفلهم بشكل خاص وكيفية التعامل معها، والتحاقهم بتدريبات وجلسات توعية لاكتساب معارف ومهارات حول إعاقة طفلهم، وبالتالي امتلاك القدرة للتعامل معه، إضافة إلى انتباه الأهل عموماً والوالدين خصوصاً للتعامل الحذر مع مشاعرهم المضطربة والقلقة تجاه طفلهم وتعليمه واندماجه.

طفل أولاً وأخيراً
بالمقابل، وعلى الرغم من مداراته ومراعاته بسبب إعاقته، إلا أن كثيراً من الأهل يقعون في فخ المقارنة، متناسين أن طفلهم المختلف بسبب إعاقته، سيكون مشابهاً لحد كبير لغيره من الأطفال ممن هم في نفس العمر.
ولذلك وجب علينا ألا ننسى السمات الأساسية للطفولة وللمراهقة، وألا نتجاهل الاحتياجات الاساسية والنفسية والاجتماعية والتربوية للطفل والمراهق بشكل طبيعي أولاً وكونه من ذوي الإعاقة ثانياً كما يرى اختصاصي تقويم اللغة والكلام عبد الرحمن شيخ نجيب.
لكن برأيه فإن الأهل ومعظم المعالجين يجهلون هذه النقطة ويتعاملون مع الطفل على أنه فقط يحتاج التدخلات العلاجية، ويتجاهلون أنه طفل أصلاً وبهذا يقومون بالضغط عليه بالتعلم واكتساب المهارات. مثلاً يؤدي تجاوز أحد الأطفال من ذوي الإعاقة بعض الحدود الاجتماعية إلى قلق الأهل وتوترهم من الموقف وإبداء رد فعل أكبر من الموقف متناسين أنه طفل، بينما لو وضع الطفل الطبيعي في نفس الموقف يبدي الأهل رد فعل مناسب أو بسيط تجاه الموقف ذاته.
ويضيف شيخ نجيب أن الأمر ذاته ينطبق على آليات تعديل السلوك فهي نفسها تقريبا تنطبق على جميع الأطفال الطبيعيين أو ذوي الإعاقة (مثل الحرمان – التعزيز -التعاقد السلوكي..)، فالفكرة الأساسية تكمن في أن قواعد بناء السلوك الجيد وهدم السلوك السيء هي نفسها، ولكن لا يجب أن يخسر الطفل إنسانيته وبالمقابل عدم الضغط عليه بما لا تتحمله خصائص طفولته، ولكن يمكن أن نعطيه وقتاً أكبر للتعلم وفرصاً أكثر وسياقات أكثر لأنه غير قادر على نقل أثر التعلم الذي تعلمه وخاصة الطفل التوحدي.
فالاستجابة الطبيعية للأهل يجب أن تكون بالاطلاع والتثقيف والتعلم والتدريب حول مشكلة الطفل أو إعاقته ودرجاته واحتياجاته، حتى يتمكنوا من دمج طفلهم بينهم أولاً كأسرة، ومن دمجه بالمجتمع الأكبر.
تقبل الاختلاف
تختلف الإعاقات من حيث الخصائص والدرجة والشدة، لذلك فإن التشخيص المختص والدقيق هو الذي يحدد بالفعل نوع الإعاقة لدى الطفل، وماهي خطة التدخل التي ستقدم للطفل وللأهل معاً، في سبيل إحراز التقدم والتطور لديه سواء (المعرفي -الحسي الحركي – النفسي والاجتماعي..).
وفي هذا المجال تقدم الأخصائية الاجتماعية بشرى الفرا ارشادات للأهل تمكنهم من التعامل مع الطفل، أولها تقبل طفلهم من خلال الإدراك أن لكل طفل قدرات وإمكانيات مختلفة عن أقرانه، وعدم مقارنة طفلهم بإخوته أو بالأطفال الآخرين، أو حتى بزملائه الأطفال من ذوي الإعاقة المشابهة.
إضافة إلى ضبط انفعالاتهم السلبية والحزينة تجاه طفلهم، من حيث الحسرة المستمرة عليه، أو الخوف والقلق الزائد، أو حتى الحرج من تصرفاته.
والنقطة الأهم التي تركز عليها الأخصائية تتمحور حول تشجيع الطفل المصاب بمتلازمة داون أو التوحد على القیام بواجباته، وتوجيهه بطرق غبر مباشرة.
مع أهمية التواصل مع الاختصاصيين والمراكز المختصة بمتابعة حالة طفلهم، وإلحاق أطفالهم ببرامج التربية الخاصة بصورة مبكرة، وخلق محيط داعم للطفل من خلال العمل على توعية باقي أفراد الأسرة والجيران والمقربين من الطفل.
إضافة إلى الإيمان الحقيقي بأن أي طفل قابل للتعلم ولكن تختلف طريقة التعلم والأسلوب والمدة، وبعض الأطفال قد يتطلب الأمر جهداً وصبراً أكبر.