مياس سلمان
كان من المفاجئ متابعة ردود الٲفعال على بيانات مكتب الإحصاء التي أصدرها في بداية هذا الشهر عن قوة العمل في سورية. المفاجئ ليس البيانات نفسها، بل ردود الأفعال المستغربة والمستنكرة والتي أخذت تقرع طبول التحذير من الخطر الداهم على الشباب السوري “البطالة”.
الحقيقة أنك لا تحتاج أي أرقام أو إحصاءات لتعرف حجم الكارثة في سوق العمل. مشوار واحد من أول سوق الحميدية إلى محطة الحجاز كفيل أن يشرح لك معادلات اقتصادية معقدة. سهرة مع ورق الشدة بين شباب حي الدعتور باللاذقية سيجيب على أسئلتك حول فرص العمل المتوفرة لخريجي جامعة تشرين. دورة على الموتيسكل بعد الساعة السادسة مساءً بين ضيعتي السودا وضهر صفرا في طرطوس سيقدم لك توضيحات غير ضرورية لمتوسط الدخل لدى العائلة السورية “الطبيعية”.
ولإضافة مزيد من الإحساس العبثي، فإن البيانات التي صدرت الآن هي عن مسح عام 2022، وغني عن القول إن الوضع الاقتصادي لم يتحسن في السنتين السابقتين، بل تراجع على كافة المقاييس.

البطالة تنتشر في كل المحافظات
أظهر المسح ارتفاع معدل البطالة بنسبة 23%، مع فقدان 320 ألف فرصة عمل. وكان العدد الأكبر من المتعطلين في ريف دمشق بأكثر من 338 ألف متعطل، وفي المرتبة الثانية اللاذقية بحوالي 192 ألف متعطل، ثم طرطوس مع 150 ألف متعطل، وتلتها العاصمة بحوالي 145 ألف متعطل. ولم يشمل المسح أجزاء من، حلب، إدلب، الحسكة، دير الزور، الرقة، وهي الخارجة عن سيطرة الحكومة. ولا يبدو الوضع هناك أفضل على كل الأحوال.
ففي شهر آب الماضي، أعلن فريق “منسقو استجابة سورية” وصول معدل البطالة في شمال غرب سورية إلى 88%، الذي ضم عمال المياومة والنازحين، وأشار إلى تسريح آلاف الموظفين العاملين في المنظمات الإنسانية منذ بداية العام الحالي، نتيجة نقص الدعم المقدم وتوقف مئات المشاريع، ما أدى إلى زيادة البطالة وتأثر 93 ألف شخص.
وهذا يعني مئات آلاف العائلات السورية التي تعاني عدمَ استقرار اقتصاديّ، ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ظهور واستفحال ظواهر مثل: الفقر والعنف والجريمة، عدا عن الشعور بالخوف وانعدام الأمن. وإذا كان المثل يقول إن الحروب تطيح بالوظائف، فإن البطالة تغذي الصراعات بلا شك.
عمل ذوي الإعاقة خارج الحساب
لم يذكر التقريران، أي إحصائيات عن عمل ذوي الإعاقة أو “بطالتهم”، وهم من يشكل الحصول على عمل بالنسبة لهم تحديًا مضاعفاً لهم بسبب الحواجز الجسدية والمكانية والتعليمية والتكنولوجية التي تحول دون ضمانهم للحد الأدنى من سبل العيش الكريم. لم تهتم البيانات بذكر نسبهم وتوزعهم والعقبات التي تحول دون إدماجهم في سوق العمل، إضافة إلى التحيز الخفي، والصريح في كثير من الأحيان، نتيجة النظرة الدونية لإمكانياتهم، الأمر الذي يزيد من احتمالات وقوعهم في حلقة قاسية ومؤلمة من الفقر والإقصاء والبطالة.
وتشير تقارير منظمة العمل الدولية الأخيرة إلى ارتفاع معدل البطالة للأشخاص ذوي الإعاقة مقارنة بغيرهم، حيث هناك سبعة من كل عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة (ليس لديهم وظائف) مقارنة بأربعة من كل عشرة من الأشخاص من غير ذوي الإعاقة.
هذا على الصعيد العالمي، فماذا عن بلد أنهكته الحرب مثل سورية، وأدت لوصول نسبة الإعاقة إلى مستويات قياسية، تقدر بحوالي 28% من عدد السكان، وأغلبهم غير قادرين على العمل أو لا يجدون عملًا، أو يعملون بظروف عمل غير مناسبة لإعاقتهم. وتعاني النساء من ذوي الإعاقة مصاعب أكثر تعقيداً في الحصول على عمل، وتكاد تكون في آخر سلسلة التهميش التي لا تنتهي.
ومن الملاحظ أنه نادراً ما يتوفر مشاريع للتدريب المهني ولتطوير قدرات ذوي الإعاقة بهدف تأهيلهم لدخول سوق العمل. كذلك تغيب مشاريع برامج المنح الصغيرة لفتح الباب على تأسيس مورد رزق لذوي الإعاقة، وهذا ما يفاقم حالة البطالة والفقر لديهم، وتدفعهم للعمل في مهن شاقة لا تتناسب أبداً مع إصاباتهم أو الإعاقات التي يحملونها مما يضيف أعباء جديدة في حياتهم.
موجودون لمن يحب أن يرى
رهف من طرطوس، صماء من ذوي الإعاقة السمعية، خريجة فنون جميلة منذ عام 2021، تسعى جاهدة مع أهلها للحصول على وظيفة في دوائر الدولة دون جدوى. كما أن وضعها وخوف أهلها عليها وعلى عدم قدرتها على التواصل مع المحيط يمنعها من العمل في القطاع الخاص مما يجعلها عاطلة عن العمل.
بينما حسين من دمشق، يعاني من إعاقة حركية (ضمور عضلي بنسبة 80%) تفاجأ بأنه لا يستطيع التوظف في الدولة رغم حصوله على شهادة معهد بسبب تصنيفه من أصحاب الإعاقات الشديدة التي تحتاج إلى مرافق، والقانون للأسف يمنع توظيف هذه الفئات مما جعله عاطلًا عن العمل ويائسًا كما يصف نفسه.
أما العمل في القطاع الخاص أو تأسيس مشروع مستقل فيشكل صعوبة كبيرة خاصة أن الغالبية يعانون من عدم توفر رأس مال بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة.
آية من حمص، من ذوي الإعاقة الحركية، تقول: “الشخص الطبيعي الصحي ما عم يلاقي شغل فما بالك لي عنده وضع صحي”، وتضيف: “حاولت العمل في مجال التسويق الإلكتروني من المنزل، ولكن تعرضت للاستغلال من المشغلين أحيانًا، وضعف الراتب أحيانًا، مما دفعني ذلك للإحباط وترك العمل بعد شهرين، وأنا لا أعمل وأعتمد على أهلي في الطعام والشراب. كما أن صعوبة الانتقال لمكان العمل وعدم توفر بيئات عمل مناسبة لوضعنا دفعني للاستسلام والرضوخ للأمر الواقع”.
ولكن هذا لا يعني أن جميع الأشخاص ذوي الإعاقة عاطلون عن العمل، بل البعض يعمل ومضطر للعمل للبقاء على قيد الحياة ويحقق نجاحات كبيرة أحيانًا.
علي من طرطوس، شاب خريج تجارة واقتصاد، فقد يده أثناء الحرب، متزوج ولديه ابنتان، قرر عدم الاستسلام، والبدء بنشاط تجاري عن طريق فتح سوبر ماركت بشكل مستقل. يقول علي: “في البداية تعرضت لصعوبات كبيرة وضعف في حركة البيع، ثم تحسنت تدريجيًا، لا أنكر أن الناس كانت تشتري في البداية بدافع إنساني ودافع المساعدة، ولكن تعاملي برقي مع الناس، والأسعار المنافسة، جعلت حركة البيع كبيرة. أنا اليوم توسعت بعملي، لدي فرع ثانٍ وأضع عمالًا في الفرعين، وأنا فقط أقوم بإدارة الحسابات ومراقبة العمل. أصبح مشروعي يؤمن دخلًا لأربع عائلات. لا أنكر أن البداية كانت مغامرة وخاصة مع سحب قروض، ولكن أنا أنصح أي شخص بأن يبدأ مشروعه الخاص ولا يستسلم للظروف”.
بينما شادي، شاب بترت قدمه من فوق الكاحل ويضع رجلًا اصطناعية، يعمل ضمن ورشة تعمل في مجال صب البناء، يقول: “أعلم أن العمل مرهق ويسبب لي أوجاعًا كبيرة في قدمي المقطوعة، ولكن ما باليد حيلة، يجب أن نعمل لنعيش ونأكل خبزاً”.
كما أن أعدادًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يعملون مع المنظمات الدولية والمحلية التي تدعم مشاريع الأشخاص ذوي الإعاقة وتمول هذه المشاريع كمصدر دخل لا بأس به.

آثار غير مرئية
ولكن هذا لا يكفي، فالبطالة ليست مجرد تحد اقتصادي، بل يترتب عليه آثاراً عميقة وبعيدة المدى مثل تفاقم الفقر وزيادة معدلات الجريمة، والاكتئاب النفسي والإحساس باللا جدوى وكما يقال، الجوع كافر.
وإذا كان الأشخاص من غير ذوي الإعاقة ممن يعانون البطالة يجدون الحل السحري بالهجرة والسفر والعمل خارج البلد ولو كانت الأشغال صعبة وشاقة، فإن هذا الحل غير متاح للأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يبقون الفئة الكبيرة الأكثر هشاشة في مجتمع سورية بعد الحرب.