نص عبد الكريم عمرين
في جوف الليل، الليل البهيم، والحرب قد أرخت سدولها، والجوع والبرد والعتمة سيدة الأمكنة، والانتظار الممض هو زبد البحر ورمل الصحراء وخضرة البساتين، والحقد البغيض يفور في القلوب، فالناس مازالت تتنفس هواء مزيجه الكره ورائحة البارود… في ليل شباطي بارد استيقظ الناس من سباتهم، فالأرض من تحتهم تمور، كانت الأبنية تهتز، للحظات ظن البعض أنها ساعة القيامة، وأنهم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، ثم للحظات اعتقدوا أن تفجيراً هائلاً حدث في القريب… إنها ذاكرة الحرب التي توسوس لهم، لكن الأخبار والهواتف التي علا رنينها في الطوابق السكنية والمدى، صححت لهم أوهامهم، وأدركوا أن زلزالاً ثالثاً قد أدركهم، بعد زلزال الحرب الأول وزلزال الجوع والبرد والعتمة الثاني، الذي استمر طويلاً بسبب الحصار ولصوص أمراء الحرب.
هرع الناس إلى الشوارع هروباً وطلباً للنجاة، والبعض اليائس ظل في فراشه يريد أن يموت في دفء سريره، لا في برد الركام، في الشارع صارت الألسنة تلهج بالصلاة والدعاء: ” أبانا الذي في السموات، ولا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنَّا من الظالمين، فجأة انهارت بعض الأبنية أمامهم، ركضوا إلى الركام يرفعونه مندفعين لإنقاذ أرواح أناس لا يعرفونهم، فجأة انهزم الحقد الضروس والكره البغيض، لم يسألوا عن أسماء من هم تحت الركام، ولا عن دينهم وطوائفهم، ولا عن انتماءاتهم السياسية وحل الحب والنبل بدل الكره والنذالة.
هرع الناس من كل فج عميق ليساعدوا بعضهم بعضاً, فالحكومة لا تملك من أمرها شيئاً في تلك اللحظات، في زمن اقتصادها المدمر، جاءت مساعدات هائلة من المحافظات السورية إلى الساحل الأكثر تضرراً من جراء الزلزال، طعام وخيام, حرامات وفرشات وألبسة، والأهم أن النداءات والاعلانات في وسائل التواصل الاجتماعي، كتبت تناشد المتضررين: من ليس له بيت، فثمة بيوت مفتوحة سنستقبلكم في دمشق وحمص وحماة ودرعا والسويداء، يا أحبابنا أهل الساحل وحلب، تعالوا إلينا نحن أخوة، نحن أهل.
زلزال الموت والدمار، عمّر قلوب السوريين من جديد، وأحدث في عقولهم زلزالاً صغيراً: زلزال من الحب والعطاء والنبل.