الإرادة

اليوم العالمي للإعاقة في سورية: احتفالات شكلية وقضية حقيقية

كتابة مياس سلمان

ربما لو سألت أيَّ شخص في الشارع ماذا يمثل يوم الثالث من كانون الأول من كل عام كمناسبة عالمية؟ ستكون إجابته على الغالب لا أعلم… حتى لو عرف، غالباً لن يهتم، وقد يشعر أن الموضوع لا يعنيه.

الثالث من ديسمبر (كانون الأول) هو اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة للتوعية بحقوقهم والتذكير باحتياجاتهم ومحاولة إشراكهم  في مختلف جوانب الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز ثقة الأشخاص ذوي الإعاقة بأنفسهم.

على هامش اليوم العالمي للإعاقة، يعيش هؤلاء الأشخاص في سورية واقعًا مختلفًا، واقعًا مليئًا بالتحديات والمعوقات، نقص الخدمات الصحية والتعليمية، وصعوبة الوصول إلى المباني والمنشآت، والتمييز الاجتماعي. وبالرغم من وجود قوانين تحمي حقوقهم، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه القوانين يبقى سؤالاً يتم تجاهله.

احتفالات وفلاشات

في سورية المنضمة للاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، يُحتفل كلَّ عام، من قبل كلٍّ من وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية بهذه المناسبة في أغلب المحافظات، ومن قبل مختلف الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة، ولكن هذه الاحتفالات غالبًا ما تكون شكلية، بعيدة عن واقع المعاناة الذي يعيشه الأشخاص ذوو الإعاقة. فبدلًا من أن تكون فرصة للتعبير عن التضامن الحقيقي مع هذه الفئة، تتحول إلى مناسبات بروتوكولية تفتقر إلى أي تأثير حقيقي على حياة هؤلاء المواطنين.

على مدار عملي لمدة ثلاثة عشر عاماً في مجال الإعاقة حضرت ودعيت للكثير من الفعاليات التي تقام بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، فهي أشبه بنسخ متكررة في كل عام، تقام هذه الفعاليات في المراكز الثقافية أو الصالات غير المجهزة للأشخاص ذوي الإعاقة. رأيت أكثر من مرة كيف يُحمل الأشخاص ذوو الإعاقة الحركية وكراسيهم المتحركة قبل وبعد الاحتفال أو كيف يصعد كفيف الدرج ممسوكاً باليد برفقة أحد المبصرين من ذويه، وفي أغلب الفعاليات لا يوجد مترجم للغة إشارة مما يعني إلغاء وجود الصم في هذه الفعالية. 

 ويقتصر حضور الفعاليات على العاملين في الجمعيات التي تُعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة، وبعض الأشخاص من ذوي الإعاقة وأهاليهم، بالإضافة لبعض المسؤولين الرسميين الذين يكونون في غاية اللطف ويريدون الظهور أمام الكاميرات في غاية التواضع والإنسانية. وبعض وسائل الإعلام المحلية التي تصور أن أوضاع ذوي الإعاقة مثالية “تمام التمام” ويلقون كل الرعاية والاهتمام. 

يتخلل عادة الاحتفال معرض فني وأعمال يدوية تقدمها الجمعيات على أنها من إنجاز (الأطفال ذوي الإعاقة)، وبعض الأنشطة الرياضية والرقصات التي يقوم بتأديتها أشخاص من ذوي الإعاقة الفكرية بعد تدريبهم لأشهر. ثم يصعد المنصة شخص من ذوي الإعاقة الحركية أو البصرية ممن تفوق بدراسته أو عمله ليتكلم عن نجاحه وإنجازاته وتغلبه على الإعاقة وتصويره كبطل خارق يمثل شريحة الأشخاص ذوي الإعاقة وسط تصفيق الحاضرين ودعمهم.

أما بالنسبة للعاملين في مجال الإعاقة فينقسمون إلى عدة فئات، فمنهم البعض ممن يعمل بجد وصدق مع الأشخاص ذوي الإعاقة، أما البعض الآخر فيعمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة من باب خيري بحت، وكأن العمل مع تلك الشريحة يؤدي إلى تكفير عن الذنوب والشعور بالرضى النفسي والروحي، أما الفئة الثالثة من العاملين فهدفهم زيادة المكانة الاجتماعية والظهور وتكوين شبكة علاقات عامة لغايات ومصالح أخرى، كما توجد فئة رابعة هدفها مادي بحت فلا تخلو بعض الجمعيات من قصص فساد ومشاريع وهمية يستفيد فيها بعض العاملين بمبالغ مالية ومزايا أخرى على حساب الأشخاص ذوي الإعاقة.  وربما يكون الشيء الإيجابي الوحيد لهذه الاحتفالات هو التذكير وبشكل محدود جداً بقضايا الإعاقة وإعطاء دفعة من الشعور بالثقة بالنفس لبعض الأشخاص ذوي الإعاقة أو أهاليهم.

كل يوم أتذكر

الدكتورة ريم حرفوش طبيبة أسنان، وأم لشاب توحد خريج صيدلة، قالت: أنا ضد الاحتفال باليوم العالمي لأي شيء أنا كل يوم أحتفل، كل يوم أنا أتذكر، وكل يوم أتعايش مع القضية، وكل يوم بحاجة إلى حقوقي وواجباتي، ولكن من المفترض أنه يوم للتذكير..  لتذكير المسؤولين وتذكير شرائح المجتمع بهذه القضية، وتضيف، ولكن للأسف هو يوم للتطبيل والتزمير، فنحن نعيش في مجتمع يهتم بالفلاشات.. الحقيقة أن تغيير واقع خمسة أشخاص من ذوي الإعاقة مثلاً وتغيير حياتهم للأفضل هو أفضل من كل الاحتفالات. وتضيف الدكتورة ريم في إحدى المرات طُردت من احتفال بمناسبة اليوم العالمي للتوحد لأني دائماً أطالب وأقول الحقيقة.

قضية مجتمعية

أما الشاب عاطف محفوض، خريج اقتصاد ناشط مجتمعي وشخص من ذوي الإعاقة الحركية يقول: أنا أعتبر وجود يوم عالمي للأشخاص ذوي الإعاقة أمراً جميلاً وضرورياً ومهماً للتذكير بالإعاقة كقضية مجتمعية تمس عدد كبير جدا من المواطنين وخاصة بعد انتشار عالم الإنترنيت والسوشال ميديا، فهو يشبه الاحتفال بعيد الأم أو المعلم أو اليوم العالمي للسلام فهو حاجة، والتذكير به شيء مهم وطبيعي، فهو ليس احتفالاً بقدر ما هو إحياء وتذكير بالقضية وإن الأشخاص ذوي الإعاقة شريحة مهمة بالمجتمع.

أما تمام حلموشي خريج علوم سياسية من ذوي الإعاقة  فله رأي مختلف قال: الاحتفال باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة أمر مثير للجدل، فأنا ضد وجود يوم عالمي، الأشخاص ذوو الإعاقة موجودون على مدار السنة، فما فائدة الاحتفال بهم وكأن ذوي الإعاقة مخلوقات غريبة عن المجتمع؟

أما مالك، شاب من ذوي الإعاقة البصرية فقال: ليس عندي فكرة عن الموضوع لأقول لك إن كنت مع أو ضد الاحتفال باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، والموضوع بالنسبة لي غير مهم وبالتأكيد لم يؤثر على حياتي ومشاكلي وتحدياتي اليومية. 

في النهاية يجب التساؤل ماذا يحصل بعد الاحتفال باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة؟ الذي يحصل، ينتهي الاحتفال وتعود الأمور إلى النسيان حتى عام آخر دون إنجازات تذكر على أرض الواقع. قبل ستة أشهر صدر القانون الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة ومازال حبراً على ورق، فلم تحل أزمة المواصلات للأشخاص ذوي الإعاقة، بل تفاقمت، ولم تؤهل المباني، ولم يحصل أحد على سيارة سياحية بتخفيضات جمركية، إلى آخره من الحقوق، ولم يتكلم أحد عن معاناة ذوي الإعاقة الاقتصادية والاجتماعية ليبقى السؤال ما فائدة هذه الاحتفالات؟ ولماذا يتم تصدير تلك الأجواء الإيجابية في هكذا احتفالات وتصدير واقع مغاير للحقيقة بأن الأشخاص ذوي الإعاقة يتلقون كل الدعم من الجهات الحكومية وجمعيات المجتمع المدني! اليوم العالمي للإعاقة، هو أكثر من مجرد يوم في التقويم، إنه تذكير يومي بأننا جميعًا مسؤولون عن بناء مجتمع أكثر شمولية. إنه دعوة إلى العمل الجاد من أجل تغيير واقع يعاني منه ملايين الأشخاص.