خليل سرحيل
في محاولة لتعريف الكون بمفهوم جديد، بل بسردية مغايرة، تعطي رواية “المريد الأصم” هذه المحاولة فرصة لتغوص في لجة الألم دون صراخٍ متعالِ. أبطال غير خارقين فُرض عليهم أنواع مختلفة من الصمت، شخصيات فُرضت عليها أنواع مختلفة من الحروب. لكن كل حروب العالم لا يعلو إيقاعها على الحرب الحقيقية التي تحدث بين (ي) ووالده. حرب لا أصوات فيها، حرب تثور على الصور والأماكن، وتعود إلى زمن قديم يمتد إلى الرحم، حيث يأتي الصمت ثمناً باهظاً لقصة حب لم تكتمل، وينقل كل ثقله لحرب هوجاء غير مسموعة من قبل البطل، أو على الأقل، غير مسموعة كما يسمعها بقية البشر. هنا حياة (ي) البطل الأصم، الولد الفاقد لحاسة السمع منذ ولادته، الذي يربيه والده بمفرده بعد وفاة والدته أثناء ولادته. الأب يختار أن يحذف الأصوات ويعيش بصمت بدونها. الابن يعيش في عالم صامت بطبيعته. وفي المقابر، أكثر الأماكن التي يسكنها سكوت أبدي، قبر للأم، والكثير من الرسائل الأخرى التي تفكك الألم أو ربما تشفره.

الرواية من كتابة الشاعر والروائي ريبر يوسف، من محافظة الحسكة السورية، يكتب باللغتين الكردية والعربية. صدرت في عام 2021 من دار ممدوح عدوان، وهي آخر أعماله بعد عدد من دواوين الشعر، منها صائد بحجم ابتساماتنا، من غصن إلى آخر يتنقّل القصف، حَجِلاً أعبرُ الحقل، ورواية “عزلة الأرملة السوداء”.
عبر زمن متداخل بين زمان الأب القديم وقصة حبه المفجوعة، تنقلنا رواية “المريد الأصم” إلى عوالم داخلية غير ملحوظة لمن هم في الخارج. أب يرهن حياته ليربي طفلاً أصم بعد أن توفيت زوجته ساعة الولادة، وطفل أصم سجين المنزل وسجين التواصل المنقوص، حيث يرتب الأب كل شيء ليضمن راحة طفله الوحيد.
تشرق الحياة داخل (ي) برهة وهو ينادي بما يريد لأول مرة ضمن الحشود الثائرة، ومن حينها بدأ يكتشف دواخله، يخلق تعاريف جديدة للأشياء، بل إنه يرسم الأشياء ليعرّف واقعه. حيث إنه يعيش الحرب بلا أصوات، وقد اختبرها عبر رجفان يدي والده الذي حبسه داخل خوف أكبر وهو الخوف من الحياة والجرأة عليها. وفي هذه العزلة الصماء ينقلنا الكاتب إلى داخل الشخص الأصم، داخله المليء بالأسئلة والرغبات والأحلام والموت، داخل عصي على المجتمعات والأفراد أو الحكومات دخوله، داخل مليء بالشعر والصور الشاعرية، لشاب يحترق في بلد يحترق، يسرق من فيرجينيا وولف طريقة انتحارها كحلم يزوره ليلاً.
صراع الرواية متداخل، فقد وضعنا الكاتب أمام بطلين مهزومين لكل منهما أوجاعه وأحلامه، وسلب الرواية صوتها وانتقل هذا السلب ليتحول إلى نظرة باتجاه الداخل، داخل الأب والابن معاً. فلا يستطيع القارئ إلا التسلل إلى الرواية والتقاط الأحداث بين الرسائل وتخيلها، عبر مشهدية سينمائية مُشكّلة بالكلمات، بين أب يبكي خلسة على زوجته رافضاً الصوت، وابن يبكي على حياة لم يعشها كما يريد، تسودها رغبات ملحة بالموت من غير تصريح صريح بذلك، في صراع متداخل لا اسم له سوى الخوف.
من عنوان الرواية الغريب، تبدو أنها تتحدى القارئ، حيث أضاءت في اسمها وموضوعها على فئة كبيرة من مكونات المجتمع السوري، حيث إن أكثر من 28% من السوريين ذوو إعاقة. وطرحت حياتهم الهامشية “التي لا يسمع أحد عنها” بطريقة جريئة وأسلوب سردي غير تقليدي عبر رواية فنية معاصرة، وليست كعمل خيري أو مجتمعي. حيث إن اختيار تمثيل الإعاقة فنياً يتطلب جهداً خاصاً وحساسية غير عادية. استطاع الكاتب التعبير عن غياب الصوت، في تجسيد كتابي للتجربة الداخلية، تجيب بالشكل العام عن أسئلة مهمة للغاية: كيف يعيش الصم في سوريا؟ وكيف كان تعريفهم للحرب التي عاشوها؟ وهل استعان الكاتب بحياة الصم ليجد تعريفاً جديداً للحرب يمكنه أن يعطينا صورة مغايرة لما رأته عيوننا وسمعناه؟
تبدو الرسائل التي يرسلها (ي) إلى صديقه (ر) مثل إشراقات توحي بزيادة الوعي تجاه نفسه وتجاه فكرة الموت والخلاص، حيث يعبر عنها بالأحرف وليس بالصوت أو الفعل. وتصبح الكتابة هي وسيلة البطل الوحيدة بعد أن سلبنا الراوي الصوت من معناه في قلب الرواية. ومن هنا بدأ بكتابة حياته، حيث تبدو الكتابة كفعل نجاة وليس رفاهية أو رغبة، كتابة عن حياة أشخاص لم يأخذوا حقوقهم ولا يوجد مستقبل واضح أمامهم، يملكون من القوانين الأحرف فقط، وهي أحرف صماء بدورها لا مفعول لها، في مكان يبدو فيه حلم أنك تستطيع التواصل مع أشباهك مستحيل. يعيشون بلا خدمات ومن غير جرأة على كسر القيود، مسلوبين من الأحلام ومحاصرين بالخوف والإقصاء المتعمد. كل هذا في رواية حرة تكون فيها اليد كيان مستقل، ويصبح الباب فيها تعريفاً جديداً للشخص الذي يسكن خلفه.
رواية “المريد الأصم” ليست رواية عادية عن مساكين يعيشون ظرف الحرب. رواية “المريد الأصم” هي فرصة حقيقية تنقل القارئ إلى عوالم جديدة وتعاريف جديدة ستغير نظرته تجاه ما تراه الأعين كل يوم.
