الإرادة

الكوارث لم تذهب بعيداً بل سكنت في البيوت المدمرة

ربما لم يعد الزلزال يتصدر عناوين الأخبار، لكن آثاره لا تزال محسوسة خاصة في شمال غرب سوريا حيث لايزال واحداً من كل ثلاثة أطفال متضررين من الزلزال يعيش في مخيمات مؤقتة وحاويات صغيرة، والحقيقة القاسية التي تستمر منذ اثنا عشر عاماً أنه لم يتم تدمير المساكن فقط، بل الحياة كما عرفها هؤلاء الأطفال ذات يوم. بل أن بعض الأطفال السوريين اليوم في سن المراهقة لم يعرفوا يوماً ماذا يعني أن يكون لهم “بيت”، ولا يعرفون عنوان ولا طريق ولا صور لذكريات أهلهم عما يسمى “المنزل”. 

الندوب التي لم تلتئم

بعد عام، لم تعد البيوت المهدمة والجدران المتهالكة واضحة للعين كالسابق، لكن الجروح النفسية التي لم تلتئم لا يمكن إخفاؤها، حيث يواجه معظم الأطفال السوريون الذين نجوا من الحرب ومن ثم من الزلازل، شعوراً دائماً بالخوف والقلق، فقد زادت حالات اضطراب ما بعد الصدمة والمشاكل السلوكية، كما زادت نوبات الهلع وبعض أنواع الرهاب، فكيف النجاة عندما ينعدم الأمان من قلب منزلك؟ وكيف تنام وأنت خائف من أن تهتز الأرض تحتك جديد؟ هذه الأرض التي تتخبّط أساسًا بين ويلات نزاع دام لأكثر من عقد، وأزمات اقتصادية خانقة.

حسب تقييم أجرته منظمة إنقاذ الطفولة في سوريا، أبلغ 85% من الأطفال ذوي الإعاقة عن صعوبات في التفاعل مع أسرهم وأصدقائهم ومدرسيهم وغيرهم بسبب تجاربهم أثناء الزلازل، أوفاد ما يقرب من 70% من المشاركين في التقييم عن “الحزن” بين الأطفال، مع حوالي 30% أشاروا إلى حالات أطفال يعانون من كوابيس أو صعوبة في النوم. وقالت رشا محرز، مديرة منظمة إنقاذ الطفولة في سوريا:سورية تخوض أزمة فوق أزمة. الزلزال والصراع والاقتصاد – نرى الآن عددًا أكبر من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى”. وتضيف: “التمويل وحده لن يكفي بعد الآن. سنة بعد سنة، نرى الوضع الإنساني يتدهور إلى مستويات منخفضة جديدة. يجب أن نعيد تركيز جهودنا على دعمهم وعائلاتهم لإعادة بناء ما فقدوه“.

من ملجأ إلى ملجأ

“انتقلنا للعيش في خيمة. وباتت المباني والمنازل تخيف أطفالنا. لقد تعبنا”، تشرح هند حياتها اليومية المملوءة بالقلق بعد أن أجبرت على النزوح مع زوجها وأطفالها الخمسة أكثر من مرة، وانتهى بها الأمر في مدينة عفرين حيث عاشت في منزل غير مكتمل، تغطي جدرانه البطانيات والشراشف، إلى أن جاء الزلزال ودمره بالكامل. وانتقلت لاحقًا إلى خيمة بعد أن أصيب زوجها بإعاقة دائمة عندما سقط عليه أحد الجدران.

قبل وقوع زلزال شباط المدمر، كانت منطقة شمال غرب سوريا تعاني من ضعف نظام الرعاية الصحية الناجم عن نقص تمويل المرافق الطبية ومحدودية الخدمات. وقد جاء الزلزال ليدمّر 55 مرفقًا للرعاية الصحية ما تسبب بتعطل عملها بنسب كبيرة.

ووضح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا، توماس باليفيه في تقرير صدر في ذكرى الزلزال 7 شباط، “زاد الزلزال من الفقر والتشرد والنزوح وتردي الظروف المعيشية في المنطقة، فتدهور الوضع الاقتصادي وتأثّر أداء النظام التعليمي، ولحقت الأضرار بالبنى التحتية وفقد آلاف الأطفال ذويهم أو تعرضوا لإصابات جسدية وبُترت أطرافهم. كل هذه العوامل فاقمت التحديات النفسية للآلاف في المنطقة”.

وحسب مفوضية اللاجئين، ثر الزلزال على 8.8 مليون شخص في جميع أنحاء سوريا، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف. وفي شمال غرب سوريا وحده، لا يزال أكثر من 40,000 شخص نازحين بسبب الزلزال ويقيمون في 70 مركز استقبال مؤقت. وبالإضافة إلى الرعاية الطبية، يحتاج الناس إلى مراحيض ومرافق للاستحمام وأنظمة تدفئة وملابس شتوية، ومولدات، بطانيات، ومستلزمات نظافة، ومنتجات تنظيف.

 

بالمقابل، تم تعليق الكثير من المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في عدة مناطق في سوريا وتتعرقل جهود التعافي بسبب انخفاض التمويل المقدم لسوريا ونقص الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية، الأمر الذي يتطلب موارد مستدامة ويجب أن يأخذ في الاعتبار أيضًا الاحتياجات الموجودة مسبقًا. ووفقاً لتقييم احتياجات التعافي من زلزال سوريا (SERNA)، تسببت الزلازل في خسائر بقيمة 8.9 مليار دولار أمريكي و14.8 مليار دولار أمريكي من احتياجات التعافي على مدى فترة الثلاث سنوات القادمة.

الحاجات الصامتة

نوال امرأة مطلقة، اضطرت بعد الزلزال إلى تقاسم الخيمة مع عائلة زوجها السابق، وحتى الآن لم يتم نقلها إلى ملجأ أو حاوية. نقلت قصة نوال منظمة المرأة كير التركية لتسلط الضوء على عدم المساواة الخفية التي تتعرض له النساء في الكوارث والحروب حيث يتم تجاهل احتياجاتهم الخاصة. وفي ورقة بحثية أوضحت الدكتورة بورجو ساري كاراديمير في جامعة تيد، أنقرة، أنه في حالات ما بعد الكوارث، يتزايد عبء أعمال الرعاية على النساء والفتيات لأنهن يتحملن المسؤولية الأساسية عن استعادة “الحياة الطبيعية” ويكرسون وقتهم للطهي والتنظيف والغسيل ورعاية الأطفال أو كبار السن أو أفراد الأسرة ذوي الإعاقة وأضافت أن الآثار الجنسانية الأخرى للكوارث أن النساء غالباً ما يحدن من استهلاكهن الغذائي لضمان إطعام الآخرين، حيث يُعطى الأولاد والرجال الأولوية في المسكن والأكل وحتى الرعاية الصحية.

كما أن النساء في حالات الكوارث لديهن نفس الاحتياجات البيولوجية المتعلقة بالحيض والحمل والرضاعة والولادة، إلا أن احتياجاتهن من الحمامات النظيفة والآمنة والمنفصلة والخصوصية والأمن عادة ما يتم تجاهلها في مثل هذه البيئات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة الفقر يعرض تعليم الفتيات للخطر، حيث قد تنظر إليهن الأسر كعبء وتجبرهن على الزواج المبكر. وتحذر اليونيسف من أن الأطفال المتضررين من الزلزال معرضون لخطر الوقوع في براثن الفقر أو إجبارهم على العمل أو الزواج.

وقد أطلقت عدة منظمات برامج “المساحات الآمنة” الذي يهدف إلى توفير مساحة آمنة للنساء والأطفال لأخذ قسط من الراحة والابتعاد عن الواقع القاسي في الخارج.  داخل هذه الخيام، تشارك النساء والأطفال في الأنشطة والألعاب، كالرسم والجلسات الجماعية، أو يمكنهم مجرد الجلوس فيها لأخذ قسط من الراحة. وسواء اختاروا الاستغراق بالتأمل أو المشاركة في الحوارات التفاعلية، تبقى هذه المواقع ملاذًا لهم وتتيح لهم الابتعاد مؤقتًا عن أعباء تثقل كاهلهم وإيجاد متنفس لهم.