الإرادة

خليل سرحيل

قبل ثلاثة أيام تعرضت بلدي سورية لزلزال مرعب لدرجة أنه الوحيد الذي تمكنت من الشعور به أنا الذي كنت اتباهى بأني لا أملك إحساساً بالخوف.
في الساعة الرابعة وأنا نائم في سريري استيقظت على صوت رياح قوية تهز النافذة بقوة وشعرت بدوار طفيف بادر فوراً إلى ذهني أنها العاصفة المستمرة منذ اسبوعين تحاول رفع غرفتي إلى السماء وبررت الأمر على أنه أحلام وهلاوس ومن المستحيل أن يتحقق واغمضت عيني والتصقت بالحائط لكن حركة الاهتزاز تزداد قوة فاستيقظت مرعوباً ولأول مرة خائفاً وتأكدت أنه زلزال كل شيئ يهتز في مكانه أنا وسريري وغرفتي والكرسي المدولب يبتعد عني انتقلت إلى الكرسي لا أعرف ماذا علىّ فعله وذهبت مباشرة واختبأت تحت الباب أفكر بخطوتي التالية للطوارئ وهي الهروب من المكان.

في الطابق الثالت أسكن وحدي وفي الغرف المحيطة بي أصدقائي وكلنا من ذوي الإعاقة مكفوفين ومبتوري أعضاء وعلى كراس متحركة وافكر في الأسوأ من سينقذ من إذا انهار البناء ومن سينقذني أو من سأنقذ أنا وهل أستطيع النجاة بنفسي حتى أقدمها لأحد غيري؟

حقيقة أني من ذوي الإعاقة شيء أعرفه ولكنّي أعرف أيضا أن النجاة فعل لا يستطيع الأصحاء الحصول عليه ليس في الكوارث فحسب بل في كل السيناريوهات التي يمكن تخيلها.

في سوريا البلد الذي تصعب النجاة به .

فكيف ستكون نجاة شخص من ذوي الإعاقة.

فكرت في النجاة وأعرف الطريق إلى الدرج أو السلم وأستطيع الوصول إليه خلال دقيقتين لكني لم افتح باب الغرفة ولم أذهب إلى الدرج بل عدت إلى سريري لأنني متأكد بأني حتى وإن نجوت من الزلزال لن أنجو تحت البرد والمطر ولن أنجو بحصولي على الطعام والمأوى وعدت للنوم يومها وأنا أبكي…

في الحقيقة أنا فكرت في النجاة وطلبته وذهبت إلى مكان الدرج وصرخت باسم جميع من أعرفهم لكن لم يستجب لصوتي أحد وبدأ أصدقائي المعوقون يضحكون بسبب خوفي من غرفهم أنا خائف في الممر والظلام دامس وإحساسي بالدوار يزداد وأصدقائي يضحكون على صراخي لأني طلبت النجاة ولم أجده ولأني تصرفت وفق الغريزة التي نملكها جميعاً غريزة البقاء
لقد بكيت لأني وجدت الحقيقة ومشيت عليها بعجلاتي الحقيقة أني من ذوي الإعاقة في سورية أعرف أن واقعي من غير كوارث هو كارثة وأعرف أنه حتى في الكوارث الحقيقية نحن النذور والضحايا نموت في كل الأسباب إن كان ركام أو زلزال أو قرحة سريرية نأخذ نصيب البطل في الموت أما في الباقي فنحن غير موجودين. الحياة ليست لنا والبقاء ليس لنا والنجاة ليست لنا حتى وإن حاولنا إمساكها.


يقولون أن الإنسان يلجأ إلى السخرية والضحك عندما لا يستطيع عقله تحليل الأشياء وهذا تبرير لما حصل عندما ضحك أصدقائي على صراخي.

في الصباح التالي قابلت معظمهم وضحكنا على ما جرى مني ومنهم وسألتهم إن كانوا قد اختبروا الخوف مثلي وأجابوا بالتأكيد اختبروا الخوف وعاشوه لكنهم لم يخرجوا من غرفهم مثلي لأنهم يعرفون بأن لا أحد هناك للمساعدة فكان الضحك هو نجاتهم الوحيدة حتى أنّ أحد أصدقائي قال بأنه احتضن طرفه الصناعي ونام معه وهو يضحك ساخراً من تصرفه.

لقد حالفنا الحظ هذه المرة… ولهذا نضحك… ولهذا نبكي
اليوم لا تزال عمليات الإنقاذ تسير بعبثية وعشوائية في محافظتي ولا يزال حتى الآن عوائل تنتظر من يسمع صوتها ويخرجها وتنتشر المناشدات بأن المحتاجين للمساعدة أعدادهم ضخمة وهو أمر حقيقي المشافي امتلأت ومراكز الإيواء أيضاً. صديقي في الجامعة من ذوي الإعاقة الحركية في مدينة جبلة اختفى تحت الانقاض ولا أحد يعرف مصيره وأمتلأت منصات التواصل بالتعازي والدعاء وبدأ الجميع بالفرار من المدينة والنجاة بأرواحهم باتجاه الريف.
الآن في خضم هذه الكارثة التي نتعرض لها أنا من ذوي الأعاقة لا أستطيع مساعدة أحد ولا أحد يراني ليستطيع مساعدتي لا أعرف موقعي في هذا المجمتع ولا أعرف مكانتي ولا أعرف حتى أن كنت حقاً أريد النجاة لذلك أنا أهرب بالضحك لأنني لم أعد قادراً على الفهم والاستيعاب فأهرب مثل أصدقائي للسخرية والضحك.
لقد حالفنا الحظ بالنجاة هذه المرة ولم نصب بمكروه لكني متأكد بأنه لو حصل للبناء الذي نقطن به شي وانهار فسنكون أول من يموت وآخر من يكتشف ولهذا نضحك.