العيوب الخلقية والتراث السام للصراع السوري
تجول مها بطفلتها مريم بين المستشفيات والجمعيات والعيادات القريبة من مخيم للسوريين اللاجئين في مدينة طرابلس اللبنانية. عمر ابنتها خمس سنوات لكنها لا تستطيع المشي وتبدو جسديا وعقليا كأنها لم تتجاوز السنتين. تم تشخيصها بالشلل الرباعي وقال لها الأطباء أن العلاج الطبيعي قد يساعدها لكنها لن تشفى أبداً. ولدت مريم في لبنان بعد تعثرات في الولادة سببتها حالة من الصراخ الهستيري للأم اضطروا على إثرها نقلها من الغرفة المغطاة بألواح التوتياء إلى المشفى المركزي في طرابلس. تجزم مها أن ما تركته الحرب فيها كأم ظهر على جسد ابنتها التي لم تر سوريا أبداً لكنها حملت ندوب صراع لم تره بعينها.

هل يشعر الأطفال الذين لم يولدوا بعد بآثار الصراع؟ هل يمكن أن تسبب الحرب زيادة عدد المعاقين بين الولادات؟
دفعت أكثر من عشر سنوات من النزاع المسلح الخدمات العامة الأساسية في سوريا إلى حافة الانهيار التام. أول من يشعر بهذه التأثيرات، هم على الدوام الفئات الأكثر هشاشة: الأمهات والأطفال.
يتفق الأطباء أن الوصول إلى الخدمات الصحية الجيدة أثناء الحمل وبعده هو الفرق بين الحياة والموت للأمهات وأطفالهن الذين لم يولدوا بعد. كما أن الوصول إلى الرعاية الضرورية قد يمنع الإصابة ببعض الإعاقات المرتبطة بصعوبات الحمل والولادة. أكثر من ذلك، فالصدمات النفسية والأمراض المعدية والأمراض العقلية وسوء التغذية قد تؤثر على فسيولوجيا الأم بشكل كافٍ لنشر تأثيرات بيولوجية عابرة للأجيال.
تتذكر مها صوت الأمطار على سقف التوتياء وتصف كيف أصيبت بنوبة هلع أثناء المخاض لأنها شعرت تماماً تحت القصف وأصبحت مقتنعة أنها تلد في بيتها في سراقب بريف إدلب وليس في ضيعة في لبنان. اختلطت صرخات خوفها مع صرخات آلام الطلق وولدت مريم بعملية قيصرية تحت الأضواء البيضاء لغرفة العمليات بعد أن عجز الأطباء عن تهدئة الأم التي ظنت أنها ترى أضواء الانفجارات.
لا يوجد حتى الآن دراسات وإحصائيات عن تأثير الحرب على انتشار الإعاقات والعيوب الخلقية على المواليد في سورية، لكن استنادًا إلى الدراسات المتوفرة من صراعات أخرى، من المرجح أن تزداد معدلات الولادة المبكرة، وضعف نمو الجنين، ضعف مستويات المناعة (كنتيجة مفترضة لسوء التغذية) كما تؤدي الالتهابات وعدم معالجة العدوى الجرثومية التي تصيب بعض الأمهات إلى تشوهات خلقية*.
إن البيانات من الصراع السوري شحيحة حاليًا، لكن دراسة أجريت على 452 لاجئة سورية في لبنان سلطت الضوء على بعض المشاكل*. منها عدم الوصول للرعاية السابقة للولادة ، والتعرض الشائع للعنف (31٪) ومعدل الولادة المبكرة (24٪) كما أن معدلات العمليات القيصرية كانت مرتفعة جداً (45٪ من الولادات) حيث كانت النساء خائفات من الولادة في أوقات غير متوقعة في بيئات غير آمنة. كي نفهم خطورة هذا الرقم، نقارن بأن 15٪ من الولادات كانت تسجل كعمليات قيصرية في سوريا قبل 2011.
إن الآليات التي تحدث بها الآثار الضارة بين الأجيال معقدة. لكن صدمات الأمهات ونقص الأدوية، والوجبات الغذائية السيئة والتجارب المجهدة، كلها تلعب دورًا كبيراً وجميع هذه العناصر كانت حاضرة بقوة أثناء النزاع السوري.
ترتبط الزيادات في إجهاد الأم والأمراض العقلية الشائعة في الحرب – حتى بين أولئك الذين لم يتعرضوا للعنف بشكل مباشر – بالتغيرات في نظام الغدة النخامية والغدة الكظرية للطفل، مما يؤدي إلى زيادة القابلية للإصابة بالأمراض العقلية *. قد تؤدي التغييرات التي تطرأ على خلايا السلالة الجرثومية إلى انتشار تأثيرات عبر الأجيال تصل إلى أحفاد المصابين *.
ظهرت بعض الإعاقات أيضاً في سورية نتيجة لظهور الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات – يتضح من عودة ظهور شلل الأطفال وتفشي الحصبة خاصة بين أعوام 2014-2018. كما أبلغ عدد من الأطباء والمنظمات الحقوقية عن مخاوفهم بشأن العدد الكبير من الأطفال المولودين أثناء الصراع بعيوب خلقية غير شائعة بما في ذلك رباعية فالو (عيب في القلب) والشلل الدماغي (اضطراب يؤثر على الحركة وتوتر العضلات والوضعية)، استسقاء الرأس، والحنك المشقوق (شفة الأرنب)، إضافات لتشوهات في الأطراف والعمود الفقري. قد تكون هذه الإعاقات نتيجة مباشرة عن التلوث الناجم عن القتال خاصة استخدام الأسلحة الكيماوية إضافة للحرائق والانفجارات التي تطلق مستويات عالية من الديوكسين وسموم أخرى تسبب مشاكل صحية تمتد من العيوب الخلقية إلى المشاكل العصبية.
تعتبر الحرب في سوريا واحدة من أكثر الحروب دموية. يتضمن إرث الحرب الأضرار التي تلحق بصحة الأطفال والتي يمكن أن تستمر لعقود وتؤثر على الأجيال القادمة. بدأت تظهر الآثار الأولى للمأساة الصحية السورية فيما سيستمر هذا النهديد على المدى الطويل. والحقيقة القاسية أن جيل الحرب سيواجه بالإضافة إلى معاناته الحالية، مزيداً من التحديات والمآسي.
تؤثر الحرب السورية على أطفال اليوم وأولئك الذين لم يولدوا بعد بطرق يمكن أن تستمر مدى الحياة. في حين أن الفهم الحالي للآثار طويلة المدى لا يزال محدودًا كما أن تقدير العواقب الصحية الكاملة للحرب السورية لم يجر دراسته بعد، فإن هذه القضايا مهمة لأسباب عديدة ، بما في ذلك الحاجة إلى توقع أعباء الصحة في المستقبل وآثارها على الدعم طويل الأجل، وكذلك لتداعياتها الأخلاقية ولضمان أن التدخلات مصممة لتخفيف الأضرار التي قد يواجهونها هم وأطفالهم في المستقبل.
مراجع
-Assessment of reproductive health and violence against women among displaced Syrians in Lebanon.– Scharf M. Long-term effects of trauma: Psychosocial functioning of the second and third generation of Holocaust survivors. Dev Psychopathol. 2007;19(02):603–22.
– Laor N, Wolmer L, Spirman S, Wiener Z. Facing war, terrorism, and disaster: toward a child-oriented comprehensive emergency care system. Child Adolesc Psychiatr Clin N Am. 2003;12(2):343–61