الإرادة

التنمر الخفي: الشاطر يلي بياكل المشهد

خليل سرحيل

تمشي المذيعة الهوينى في السوق، تلتقي بالوجوه المتعبة بابتسامة ساحرة لكائن فضائي قادم من كوكب آخر، تسألهم عن الطبخة التي “يشتهون” أكلها هذا المساء، ثم تساعدهم على تحقيق أمنيتهم، عبر شراء الأغراض لهم. لن ينسى أحد مشهد دموع الرجل السبعيني الذي أراد أن يأكل الشاكرية، أو الرجل الذي طلب تغيير الدجاج إلى اللحم الذي لم يأكله منذ ثلاث سنين.. سبق صحفي، لا ينافسه في موسيقاه التصويرية التراجيدية إلا المشاهد القادمة من حلب لأشخاص يبكون وهم ينتظرون ميكروفون المعجزات، أشخاص مشلولين ينتظرون الكراسي التي سيوزعها المذيع المشهور وينهي المشهد بلقطات بطيئة بالأبيض والأسود. 

وما خفي كان أعظم

ما يتم استبعاده من النقاش حتى أثناء انتقاد هذه المشاهد أنها تمثل نوعًا من التنمر لكن يطلق عليه علماء الاجتماع اسم التنمر الخفي، وغالباً ما تكون هذه التصرفات مستترة خلف واجهات “خيرية” أو مساعدة ظاهريّة، أو حتى مشاهد تمثيلية لكنها تحمل في طياتها استغلالاً يفتقر إلى الاحترام والنظرة الإنسانية ويعزز صورة نمطية سلبية.
أكثر من يتعرض للتنمر الخفي هم الأشخاص ذوو الإعاقة، وبعكس التنمر الصريح، يظهر في أشكال غير مباشرة وغير واضحة، إلا أن تأثيره عميق ويترك آثاراًُ مؤلمة؛ فهناك الاستبعاد المتعمد من الأنشطة الاجتماعية أو المهنية، مما يؤدي إلى شعور الأشخاص بالعزلة وعدم الأهمية. كذلك، يظهر التنمر الخفي في صورة سلوك متعال، حيث يُعامل الأشخاص ذوو الإعاقة وكأنهم أقل قدرة، تحت ستار تقديم المساعدة، أو في صورة اعتداءات صغيرة تكرّس الصور النمطية السلبية، مثل افتراض حاجتهم إلى مساعدة مستمرة دون استفسار.

الكاميرات تتصيد الجميع

في خضم هذا المحتوى المرئي المشاهد على الإنترنت والتلفزيون، ازدادت نسبة التنمر، ونسبة قبوله في الحياة اليومية للمجتمع، خاصة التنمر المستتر خلف واجهات براقة، كبرنامج لتقديم المساعدات الخيرية أو مسلسل تلفزيوني يبحث عن كوميديا سريعة. على الهاتف يخابرني محمد من حلب، ويقول لي إنه يخاف الخروج إلى الشارع في رمضان فهو يملك أطرافاًُ صناعية ويستخدم معها العكازات. ويذهب بشكل يومي إلى عمله الخاص فهو متزوج ولديه طفل رضيع. يقول في حديثه عن انتشار برامج المسابقات وعلاقته بالتنمر: في السابق كنت أخاف من تطفل المارة في الشارع ونظراتهم تجاهي، وأحياناً ضحكاتهم وخصوصاً الأطفال منهم. لقد عرفنا أن التنمر يبدأ في المنازل ونتربى عليه، وعندما نخرج إلى الشارع نتابع التعرف عليه ولا نستغربه. لكن هناك نوع جديد أتاحه تطور التكنولوجيا وأصبح يذاع على الملأ ومن غير رقيب. 

يسألني الناس بشكل مباشر، لماذا لم تظهر في البرنامج الخيري حتى الآن؟ البرنامج الذي يحقق الأحلام لمن هم مثلك؟ تخيل أن أحدهم بعد صلاة الجمعة عرض علي أن أجلس في ساحة سعد الله الجابري عسى كاميرات البرنامج تلتقطني، فيعترف الوجود بحالتي وأحصل على كرسي كهربائي أو مبلغ مادي أشتري به أدويتي. لا أعرف بم أجيب، وهل عليّ أن أشرح حياتي للمارة الفضوليين بأني أملك بيتًا وعائلة ومصدر دخل يكفيني، أو أنني لا أتناول الأدوية لمجرد أني شخص لديه إعاقة. كثيراً ما أسأل نفسي عن الفرق بين الفضول والتنمر. لماذا لم نشاهد أحدًا لديه إعاقة يُسأل عن رأيه بمسلسل ما؟ أو عن رأيه في الاقتصاد الحالي؟ أو رأيه في قانون جديد؟ لماذا لا نراهم سوى في البرامج الخيرية؟ أليس تعريف التنمر أنه إلصاق الصفات بالشخص لتصبح وصمة؟

غطاء سميك اسمه المقاربة الخيرية

 لم يخبرني أهلي أني من ذوي الإعاقة، بل كان يعاملني كبار الحي على أنني شخص مبروك، لا حول لي ولا قوة. أما المراهقون فقد سموني صطيف الأعمى نسبة لشخصية في مسلسل باب الحارة وكثيراً ما رموني بالحجارة لأنني خنت الحارة في المسلسل. وهكذا تعرفت على التنمر، وهكذا تعرفت على أحلامي أيضًا، فقد كانت كل شيء لا يستطيع من أنعم عليهم بالبصر رؤيته فيّ. هكذا يقول عبد الهادي عن حياته قبل أن يدخل مجال العمل الإنساني ليقدم الدعم النفسي والتوعوي للأقران ولغير ذوي الإعاقة وهو الكفيف منذ الطفولة. 

يقول عبد الهادي “رأيت بعد دخولي إلى العمل الإنساني الفرق الذي يخلقه استخدام المصطلحات الصحيحة. كالفرق بين كلمة أني شخص مبروك يتلمس المارة رأسه ويرموه بالأوراق النقدية وبين أني شخص ذو إعاقة يستطيع تحقيق ذاته وأحلامه ونجاحاته الخاصة. ولكن، للأسف، كلمات كالمجنون والمعتوه والأبله والتي يستخدمها الجميع في حياتهم وغيرها الكثير مثل العاجز والمحتاج، كلمات لا تزال موجودة حتى اليوم في القانون السوري، نفسه القانون الذي عليه أن يحمي ذوي الإعاقة ويحارب التنمر. 

ويضيف عبد الهادي أن كثيراً من الصفات التي تقال يوميًا هي تنمر خفي تحت رداء الصدقة والحسنة، يحز في دواخلنا كلما سمعناه. فكيف إن كانت تصدر عن جهات صحفية، يقع على عاتقها نشر الوعي وليس ممارسة التنمر والافتقاد للحساسية، فلا حدود واضحة بين التنمر والصدقة والأمر متروك لوعي المتلقي. إن الانطلاق من المقاربة الخيرية، من الأوجه الأشد قسوة للتنمر الخفي؛ حيث تُبث مشاهد تصور لحظات ضعف هؤلاء الأشخاص وهم يتلقون المساعدة. 

هذه المقاطع، التي غالباً لا يكون للشخص المعني بها الحق في الاعتراض على تصويرها، تفقده كرامته وتعزز الصور النمطية عنه كفرد ضعيف، بدلاً من كونه فرداً قادراً على العيش بكرامة واستقلال. إلى جانب أن هذه المساعدات غالباً ما تُعطى لمرة واحدة وليس لها استدامة أو تمكين للأفراد، بل إنها تتجاهل حقوق الإنسان الإنسانية.

مادة فيسبوكية

درج في الفترة الأخيرة موديل جديد من الأفلام القصيرة المصورة بسذاجة. مشاهد عن بطل سوشيال ميديا يصور نفسه وهو ينقذ شخصاً من ذوي الإعاقة أو يكشف إيذاءً بحقه. انظر الرجل الذي ترك أخاه المشلول في الشارع ودخل يشرب القهوة. مقطوع الأطراف يجبر على التسول لصالح صهره الغني… جميع هؤلاء، هم ممثلون. والكارثة أن منتجي هذا المشهد يحاولون تصويره على أنه تلفزيون واقع. ربما لم تعد هذه المشاهد تجتذب الناس بعد انكشاف أنها تمثيلية، بعد أن استطاع المشاهدون تمييز بعض الأبطال في أكثر من مشهد، مرة كفيف، ومرة مشلول، ومرة مشوه. لكن الضرر قد وقع بالفعل. وتحولت هذه المشاهد إلى مواد تسويقية وبوستات فيسبوكية تستهدف الدعاية وجذب المتابعين ورفع (الريت) فيما تركت أثراً لا يُمحى لدى الأشخاص الذين يشبهون أولئك الذين يقومون بتمثيل أدوارهم وهم لا يعرفون شيئًا عن حياتهم وصعوباتهم وتحدياتهم. لجأ السوريون إلى مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر أساسي للمعلومات والتسلية وذلك بسبب غياب الكهرباء وانسحاب التلفزيون من حياة السوريين. ولكن ذلك ترك مواقع التواصل كمشاع يستطيع أي شخص تحقيق أحلامه ولو على حساب ذوي الإعاقة والمحتاجين.

صحافة استقصائية خيرية

على راديو المدينة اف ام. يتم استضافة مقدمة برنامج فطورك. المذيع يصف البرنامج بأنه الألطف بالتعامل مع الناس المحتاجة من بين البرامج الباقية من نفس الموجة، موجه برامج الصدقة في الشوارع مبدياً استغرابه من كمية الكلام السلبي الذي نالته واقعة طبخة الشاكرية وتُجيب صاحبة البرنامج بأن برنامجها صحافة استقصائية خيرية.
ربما كان على راديو المدينة استضافة الرجل السبعيني الذي تم التصدق عليه بطبخة الشاكرية أو بذي الإعاقة الحركية الذي تم منحه مليون ليرة في ظرف مغلق، وسؤاله كم مرة أعاد المشهد كي يضمن منتجيه جرعة الدراما المناسبة.
بالتأكيد، إن التوعية هي الحل الأساس لتغيير هذه العقلية، ويتطلب الأمر إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع جوانب المجتمع، ومنحهم تمثيلاً حقيقياً في الإعلام والرياضة والفنون والتعليم. فمن الضروري أن تكون هناك تشريعات تنظم كيفية تقديم ذوي الإعاقة في الإعلام بما يضمن احترامهم، مع العمل على إزالة العوائق أمام مشاركتهم المتكافئة. هذه المقاربة لن تساعد فقط على محو الصور النمطية، بل ستعمل على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ومنحهم حقوقهم، لتصبح المساعدة التي يتلقونها مبنية على الاحترام والتقدير بدلاً من الشفقة والاتجار بمشاعر الناس.

إن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة من منطلق إنساني واحترام خصوصيتهم وكرامتهم، هو حجر الزاوية في بناء مجتمع عادل يتقبل الجميع، حيث يكون الهدف هو دمجهم ودعمهم لعيش حياة كريمة، بعيداً عن الاستغلال الإعلامي أو التنمر الخفي. إن التغيير يبدأ من الوعي وينتهي بتمكين الأفراد واحترام إنسانيتهم ككل.