الإرادة

“التعقيم القسري”: عندما أطفؤوا مخاوفهم على جسدٍ غض

شيماء الشريف، منصة إرادة

أذكر لعبتي الصغيرة القطنية (عيوش). كنت أنا في العاشرة من عمري. كان لها شعر غير مرتب كما أنّها لم تكن لعبة باربي جذابة كالتي تظهر في التلفاز. كانت تشبهني إلى حدٍ كبير، بملامحها المدورة وأنفها الأفطس. عيوش ستكون أوّل أطفالي، أنظر في عينيها، أتخيلها تنطق كلمة ماما. أضمّها إلى صدري، أحاول أن أرضعها. كبرتُ وتزوجت وبدأت أحاول أن أستبدل طفلتي عيّوش المصنوعة من الصّوف والقطن بأخرى من لحمي ودمي. لا أستطيع أن أتخيل ماذا يعني أن يطفئ أحد هذا الحلم.

في قاعة الانتظار في أحد مشافي الحسكة بينما كنت أنتظر نتائج تحليل قمت به كانت تجلس أم عمّار (اسم مستعار) إلى جانبي، خمسينية بعيون زائغة تحمل بيديها مجموعة من التّحاليل بانتظار الطبيبة لتنتهي من معاينة المرضى في عيادتها الخاصّة، والالتحاق بالمستشفى حيث ستعاين رباب (اسم مستعار) ابنة أم عمّار ذات الستة عشر ربيعاً، والّتي لا تعلم أيّ شيء عن هذه العمليّة الّـتي ستخضع لها قريباً. رباب طفلة من ذوات الإعاقة الجسدية (شلل رباعي) وعلى الرّغم من سلامتها ذهنياً إلّا أنّ والدتها فضّلت عدم شرح الإجراء الطبي الّتي ستخضع له خشية أن تخبر رباب عائلة والدها بأنّ والدتها استأصلت رحمها. أقاربها سيرفضون هذا الأمر رفضاً قاطعاً وربما سيقاطعونها بسبب حرمة هذا النّوع من العمليات في الشريعة الإسلاميّة، “على الأغلب أيضاً سنصبح رباب وأنا علكة في أفواههم لأشهر طويلة، ولتجنّب كلّ هذا أفضل إجراء العملية لابنتي سراً وسأخبرهم بأنّها استأصلت الزائدة عند زيارتهم لنا للاطمئنان على رباب بنت أخيهم الّتي لا يتحمّلون مسؤوليتها بأيّ شكلٍ من الأشكال” على حدّ تعبير والدة رباب.
تتابع والدة رباب الحديث معي عن دوافعها ومبرراتها لإجراء هذه العمليّة، وتقول: “النّاس تتعاطف مع ما يسمونه (المعوق) ولكنّ تعاطفهم هذا لا يساعده في شيء. أعمل مدرّسة في مدرسة للتعليم الأساسي، وراتبي لا يغطّي نفقات رباب وحدها من حفاضات، وأدوية ومستلزمات، أحتاج مبلغ مئة ألف ليرة سوريّة على الأقل للحفّاضات العاديّة، ومبلغاً إضافياً كلّ عدة أشهر للفرشة الهوائيّة أو الكرسي المتحرك، أو أدوية لرباب، كما أنّ الدورة الشهرية لرباب مؤلمة وأعطيها مسكنات للألم كلّ شهر، واحياناً اضطر إلى أخذها إلى المستشفى قبل اكتشاف كيس على أحد المبايض، وبدلاً من العلاج قررت استئصال الرّحم لرباب كونها لن تتزوج ولن تنجب أطفالاً فما حاجتها إلى الرّحم، هكذا سترتاح هي من ألم الدّورة وأنا سأرتاح من الاهتمام بنظافتها خلال أيّام الدّورة، وسأضمن أنّها لن تعاني مستقبلاّ من تليفٍ في الرّحم أو نزف أو أكياس وغير ذلك، كما أنّها تنمو ووزنها يزداد وأنا أتقدّم في السّن وصحتي تتراجع ولن أصبح قادرة على الاهتمام بها كما كنت أفعل قبل سنوات، وإذا مت أنا لا أعرف أيّ مصير ينتظر رباب”. اقتربت منّي أم عمار أكثر وكّأنّها تريد إخباري سراً خطيراً وقالت بسرعة جعلتني أفهم كلامها بصعوبة: “بيني وبينك نحن بحالة حرب وما حدا بيعرف شو ممكن يصير معو والّله يسترنا”، فهمتُ فوراً بأنّ هاجس الاغتصاب هو ما يشغل بال أمّ عمّار. دائماً عندما يحصل هذا الموضوع لا تتحدث عنه الألسن أو الشّفاه، بلّ الجسد كلّه يصبح لساناً، العيون تهتّز والشفاه ترتجف، الأصابع ترتفع بسرعة وتنخفض، من مقابلاتي الصّحفية أصبحت أعرف بأنّ هذا الشّخص يريد أن ينطق بكلمة اغتصاب قبل أن ينطقها من كلّ علامات جسده ومحاولاته اخفاض صوته. هنا أتحدّث عن الرّجال أيضاً.
وعندما حاولتُ الاستفسار من أم عمّار عن كيفية إقناع الطبيب إجراء هذه العمليّة ارتبكت وانسحبت من اللقاء مباشرةً، كما رفضت إدارة المستشفى إعطائي أيّة معلومة عن عدد هذا النّوع من العمليات أو تواترها، بحجة سريّة المرضى وخصوصيّة كلّ حالة.

في عيادات مغلقة

جميع محاولاتي مع عدّة أطباء أمراض نسائيّة للاستفسار منهم عن عمليات التعقيم لذوات الإعاقة لم تفلح. الانسحاب أو الاستغشام كان موقف الأطباء أمام أسئلتي، والإنكار كان موقف الباقين، ما عدا الطبيب حسام (اسم مستعار) والّذي فضل عدم ذكر اسمه كي لا يُعتقد بأنّه يشجّع هذا النّوع من العمليات والّذي علّق على الموضوع قائلاً: “خلال عملي كطبيب للأمراض النسائية لأكثر من 15 عاماً، طلبت مني عشرات العائلات القيام بإجراء طبي هو “التعقيم”، كي يضمنوا عدم نجاح الحمل عند بناتهم ذوات الإعاقة في حال مارسن الجنس بإرادتهن خارج إطار الزواج أو تعرضن للاغتصاب. للأسف، قد تزيد الإعاقة من احتمال التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي”. ويضيف الدكتور حسام: “طلبت منّي عائلات أكثر بكثير إعطاءهم حلّاً لإيقاف الدّورة الشهرية خصوصاً عند العائلات الّتي تحتضن طفلات متلازمة داون أو الطفلات ذوات الإعاقة الذّهنية كون هاتين الفئتين قد يصعب السيطرة على سلوكهنّ خلال فترة الدورة الشّهرية، فقد يقبلن على تصرّفات خادشه للحياء مثل العبث بأنفسهنّ أو تلويث البستهنّ الأمر الّذي يعتبر كارثة اجتماعية على العائلة وبالتالي يرغب الأهل بالتّخلص من جميع هذه الكوابيس ويقدمون على عمليّات استئصال الرّحم كبديل دائم عن إعطائهنّ حبوباً أو حقناًُ لإيقاف الدّورة عدّة أشهر، وجميع الطلبات من هذه العائلات قابلتها بالرّفض لأنّها ممنوعة في القانون ولأنّي كطبيب مدرك جيداً بأنّ ضررها أكبر من نفعها إذا تمّت دون سبب طبي يلزم القيام بهذه الإجراءات سواء كانت استئصال للرحم أو ربط للمبايض أو حتّى الحبوب والحقن الهرمونيّة، أمّا في الحالات الّتي شخّصتها على أنّها تستدعي التّدخل الطبي بسبب المرض فقد قمت بعملي كطبيب بغض النظر عن طبيعة إعاقتهنّ، ولا يمكنني اتّهام غيري من الأطباء بقيامهم بهذه العمليّات، لكن ومن الجّدير بالّذكر بأنّ حالات عدّة قابلتها كانت لعائلات لجأت إلى نساء يمارسن مهنة القبالة بشكل غير مصرّح وأخرى لجأت لما يسمى بالطب العربي، وكانت النتائج مؤسفة تسببت بمضاعفات خطيرة على الفتيات ذوات الإعاقة بسبب إعطائهنّ حبوباً هرمونيّة أو أعشاباً معينة لفترات طويلة بشكل غير علمي أو مدروس”.

ضحايا بلا أصوات ... ضحايا بلا أسماء

منصة إرادة: كنا بحاجة لسماع الضحايا، ولكن كيف يمكن سماع من تم إسكات صوته والتحدث باسمه، بل التحكم بجسده. بصعوبة كبيرة… وصلنا إلى إحداهن: إيمان، كانت تسكن دمشق موظفة وخريجة جامعية.
تحدث أحد أعضاء هيئة التحرير منصة إرادة مع إيمان عبر الهاتف. بدأت الحديث بصوت واضح كأنها استجمعت شجاعة سنينَ طويلة لكن سرعان ما تهدج صوتها. إيمان وهي من ذوات الإعاقة البصرية، عمياء بشكل كامل. عرفت في الخامسة والثلاثين أن أهلها قاموا بإزالة رحمها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. تقول إيمان “عرفت ذلك مصادفة. كنت أذهب دائماً مع أمي إلى نفس الطبيبة التي كنت لسبب ما لا أرتاح لها”، وعندما ماتت أمي، ذهبت مع صديقتي إلى طبيبة جديدة حيث عرفت أن رحمي قد تمت إزالته. تقول إيمان “لا أستطيع سؤال أبي وإخوتي، أشعر بالخجل من مواجهتهم، لكني أشعر أنهم جميعاً تواطؤوا على ذلك، أتخيلهم وقد انتظروني حتى نمت وجلسوا حول صوبيا المازوت يخططون ويقررون ويأتون بكل الحجج المنطقية والمبررات وربما مجموعة من الفتاوى لجعل قرارهم أخلاقياً. أفكر دائماً أنهم لم يكونوا خائفين من تعرضي للاغتصاب وهو المبرر المتداول، لكنه لا ينفع لحالتي. فقد قضيت حياتي مع أمي لا تفارقني ولا أفارقها، حتى في الجامعة التي لم أكن أذهب إليها إلا في أيام الامتحانات وبرفقة أمي أيضاً. كما أني أستطيع الصراخ، أستطيع الدفاع عن نفسي. ربما فتيات متلازمة داون التي تنتشر هذه الممارسة بكثرة بينهن، قد لا يدركن ماذا يحدث، لكن لماذا أنا؟ أخاف من الإجابات، من الواضح أن عائلتي كانت متأكدة من أنني لن أتزوج، لن يحبني أحد، ولن يتقدم لي أحد. ولكن هذا لا يكفي لاتخاذ قرار بهذه القسوة. لا أستطيع إلا الاستنتاج أن عائلتي خافت مني، ألا أستطيع مقاومة الغريزة الطبيعية التي قد أشعر بها”. تضيف إيمان “صحيح أنني لم أتزوج حتى الآن وربما لن أفعل أبداً لكنني أشعر أن جسدي قد تم انتهاكه. لا أحد يحق له أن يطفئ شعوري كامرأة أو أم، حتى لو كانت مجرد أماني مستحيلة. صدقوني إذا قلت لك أنني أصبت بالعمى من جديد منذ عرفت أن هذه الأحلام انتزعت من أحشائي”.

تجاهل وأحياناً... تساهل

نهلة الرشيد ناشطة نسويّة في تصريح لمنظمة إرادة تقول: تَعتبر الأمم المتحدة التعقيم القسري وهو (أيّ فعل يجعل الشّخص غير قادر على الإنجاب) جريمة وشكلاً من أشكال التّعذيب. ولكن وفي المنطقة الشرقيّة ومن خلال خبرتي في العمل المجتمعي فإنّ هذه العمليات تتم بشكل غير قانوني، في الظّل، بالتواطؤ بين الطبيب وعائلة الفتاة ذات الإعاقة. هذه العائلة الّتي تعتبر نفسها تمتلك بناتها سواء كنّ ذوات إعاقة أو من غير ذوات الإعاقة بحكم العرف العشائري الّذي يعطي صلاحيات غير محدودة لذوي الفتيات ولاسيّما الّذكور منهم، هذه الصّلاحيات تصل إلى حدّ الحق في إنهاء حياة بناتهنّ عند الشّك في أنّ سلوكهنّ قد يمس شرف العائلة بسوء، وتزداد خطورة هذه الممارسات في أوقات النزاعات بسبب الإفلات من العقوبة وتعدد السّلطات على امتداد الجغرافيا السّورية، أو في المناطق النائية بسبب الجهل والإهمال، وندرة المنظمات والمؤسسات الّتي تتبنى الدّفاع عن حقوق هذه الفئة المهمّشة، وتكتفي معظم المنظمات المتخصصة بدعم ومناصرة ذوي الإعاقة بتقديم المعدّات المساعدة مثل الكراسي المتحركة، أو المعونات الغذائية وغير الغذائية وتهمل تقديم خدمات الدّعم القانوني وخدمات التوعية والتّعليم للفتيات ذوات الإعاقة لتمكينهنّ وتوعيتهنّ بحقوقهنّ، ويعمّق غياب الدّراسات والإحصاءات والتّصريحات الرّسميّة ظاهرة العنف الجنسي ويزيد التعقيم القسري من معاناة النساء ذوات الإعاقة ويعطي انطباعاً بالتساهل مع مثل هذه الجرائم. من غير المعروف نسبة انتشار هذه العمليات، لكن مؤشرات كثيرة تشير إلى أنها منتشرة بكثرة، وهناك تواطؤ من الوسط الطبي ويحظى بقبول وتشجيع من المجتمع.

من زاويّة قانونيّة

يقول المحامي سعود الحسّو في تصريح (لإرادة): في القانون السوري، تعتبر إزالة رحم فتاة من ذوات الإعاقة دون قبولها جريمة جسيمة، لأنها تتعلق بانتهاك الحق في السلامة الجسدية والصحية، وخاصة إذا كانت الضحية غير قادرة على التعبير عن إرادتها أو الموافقة بسبب إعاقتها. ويعدد المحامي الحسو القوانين التي قد يتم الرجوع إليها في هذه الحالة ومنها: قانون العقوبات السّوري، المادة 540 والتي تنص على عقوبة من يُقدم على الإيذاء أو التسبب في عاهة دائمة لشخص ما، وتتراوح العقوبات بين السجن والغرامة بناءً على درجة الإيذاء. إذا كانت العملية قد أدت إلى عاهة دائمة أو ضرر كبير مثل إزالة الرحم، فقد تُصنَّف كجريمة الإيذاء الجسدي الجسيم أو التشويه الدائم، مما قد يؤدي إلى عقوبات أشد. إضافة إلى المادة الخاصة بالحق في السلامة الجسديّة، فأي عملية جراحية بدون موافقة صريحة من الشخص أو وصيه القانوني تُعد انتهاكًا خطيراً. هذا ينطبق بشكل خاص على الأشخاص المعوقين الذين قد يحتاجون إلى حماية قانونية إضافية. وهناك مجموعة من المواد الخاصة بحماية الأشخاص ذوي الإعاقة، فإذا كانت الفتاة تعاني من إعاقة تجعلها غير قادرة على التعبير عن موافقتها، فإن هذا قد يزيد من فداحة الجريمة، وقد تؤخذ الإعاقة في الاعتبار لتشديد العقوبة على الجاني بشكل عام. وقد تشمل العقوبات السجن لعدة سنوات، بالإضافة إلى التعويض المالي عن الأضرار النفسية والجسدية التي تعرضت لها الضحية.